قَالَ مُوَفَّقُ الدِّين بِن عَبْدِ اللهِ بِن أَحْمَدٍ بِن قُدَامَةٍ
" (وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ [1] الْمُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَضَرَتْهُ قَضِيَّةٌ تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، حَكَمَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ؛ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟. قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟. قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَلَا آلُو. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ."
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . قَالَ الْحَسَنُ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَغَنِيًّا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ. وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَفِي مُصَالَحَةِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَفِي لِقَاءِ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَرُوِيَ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ.
وَرُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، إذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ. وَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمَّا وَلِي سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ، كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوَلِيَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَضَاءَ
(1) وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ أَيْ بِالْحَاكِمِ