خلقه الله عظيما، فكانت عظمة فطرية طبيعية، وكان عظيما منذ ولادته، عظيما في صباه، عظيما في شبابه، عظيما في رجولته، عظيما في كهولته، عظيما في شيخوخته، عظيما في صغره وكبره، عظيما قبل الرسالة، عظيما بعدها.
خلقه الله عظيما كما شاء ليعده لأداء رسالته، وهو في الأربعين فأداها خير أداء. وكان رسولا وهاديا للبشرية المتنازعة المتنافرة، وقدوة مثالية سامية للناس كافة [1] .
فكان الصحابة هم الجيل القدوة وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - القدوة لهم في ذلك كله، القدوة المثلى والأسوة الحسنى والجانب العملي هو مثاله [2] ومما لا ريب فيه أن الدين الإسلامي له شرائع ونظم، منها ما يتعلق بالعبادة ومنها ما يتعلق بالأخلاق والمعاملات وسائر شئون الحياة، وهذه كلها مجموعة أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأقواله وتقريراته، ولا تُعْرَفُ تلك الشرائع إلا باتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - [3]
وبالجمله فإنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم في أمره كله في عاداته وعباداته. . . ومما ألف في هذا-وهو كثير- كتاب العلامة الأستاذ السيد سليمان الندوي الحسيني [4] --رحمه الله- وهو بعنوان"الرسالة"
(1) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عيون غربية منصفة (ص: 9 وما بعدها)
(2) السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها (ص: 248)
(3) أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين (ص: 2)
(4) هو الشيخ العلامة الأستاذ السيد سليمان الندوي الحسيني، أحد العلماء المبرزين في علوم التفسير والتاريخ والأدب والكلام ونوابغ الفضلاء والمؤلفين في القارة الهندية.
ولد يوم الجمعة لسبع بقين من صفر سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، الموافق 22 من نوفمبر سنة 1884 م، ونشأ بدسنه - بكسر الدال وسكون السين المهملتين - وهي قرية من أعمال ولاية بهار.
وقرأ مبادئ العلم وبعض الكتب المتداولة، ثم التحق بدار العلوم ندوة العلماء سنة 1318 هـ، وتخرج فيها ونال الشهادة سنة 1324 هـ، ولا شك أن كبار العلماء والمدرسين قد اجتمعوا في عصره في ندوة العلماء، فقرأ عليهم واستفاد منهم، وكان منهم العلامة شبلي النعماني.
وعكف رحمه الله على التأليف والتحقيق مكبًّا على إكمال"سيرة النبي صلى الله عليه وسلم"- وزار لندن وباريس والقاهرة وأفغانستان، ولما عقد الملك عبد العزيز مؤتمر العالم الإسلامي سنة 1344 هـ ودعا علماء المسلمين وزعماءهم، اختير العلامة السيد سليمان الندوي نائبًا للرئيس في وقائع المؤتمر.
وقد طلبه ملك أفغانستان ليستفيد من تجاربه ودراساته فسافر مع الدكتور محمد إقبال والسيد رأس مسعود، وأكرمه الملك، واحتفت به البلاد، ومنحته جامعة علي جراه الإسلامية شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب اعترافًا بمكانته العلمية ... وطلبه حاكم ولاية بهوبال ليتولى رئاسة القضاء في الإمارة ورئاسة الجامعة الأحمدية والإشراف على التعليم الديني والأمور الدينية في بهوبال، فأجابه إلى ذلك، وأقام فيها ثلاث سنوات، وبعد انقسام الهند طلبه بعض أركان حكومة باكستان ليشارك في وضع الدستور الإسلامي للحكومة الوليدة فأجابهم إلى ذلك، في شعبان سنة 1369 هـ وقرر الإقامة في باكستان. وكذا اختاره مجمع فؤاد الأول في مصر عضوًا مراسلًا في سنة 1371 هـ.
ووافاه الأجل غرة ربيع الآخر سنة 1373 هـ في كراتشي، وحضر جنازته كبار العلماء وأعيان البلاد، وجمع كبير من الناس، ودفن في مقبرة كراتشي بجوار الشيخ شبير أحمد العثماني صاحب كتاب -"فتح الملهم شرح مسلم"، المتوفى سنة 1369 هـ. كان السيد سليمان الندوي: من كبار المؤلفين في هذا العصر، ومن المكثرين في الكتابة والتأليف، مع سعة علم ودقة بحث وتنوع مقاصد.
قال سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي:"كان راسخًا في العلوم العربية وأدبها، دقيق النظر في علوم القرآن وعلم التوحيد والكلام، غزير المادة في التاريخ وعلم الاجتماع والمدنية، صاحب أسلوب أدبي في اللغة الأردية وكاتبا مترسلا في اللغة العربية" ("نزهة الخواطر"(8/ 179) .
وله مؤلفات عديدة منها: - تكملة"سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -"لأستاذه للعلامة شبلي النعماني في خمسة مجلدات كبار.
وهذا الكتاب أهم ما ألفه علماء الهند، واشتهر الكتاب في بلاد العرب والعجم أيضًا، فقد ذكر سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي أهمية هذا الكتاب في بعض المحاضرات التي ألقاها في مصر والشام، قال: (( أفضل ما ألف في موضوع السيرة النبوية كتاب"سيرة النبي"وهو في سبعة مجلدات كبار في اللغة الأردية للعلامة شبلي النعماني ولتلميذه الأستاذ الكبير السيد سليمان الندوي، وهو كدائرة المعارف في السيرة النبوية وعلم الكلام والتوحيد) (انظر:"المسلمون في الهند"ص(40) .
-"خطبات مدارس"- من خير ما كتب في السيرة النبوية، ونقل إلى اللغة العربية باسم -"الرسالة المحمدية"- ونقل إلى الإنجليزية أيضًا وهو ما نقتبس منه ونعرض له.-"أرض القرآن"- في مجلدين في جغرافية القرآن، و"سيرة عائشة". -"سيرة الإمام مالك"- و-"خيام"- و"نقوش سليمان"و"حياة شبلي"في سيرة أستاذه، - وغيرها من المؤلفات والبحوث والمقالات. انظر ترجمته في"نزهة الخواطر" (8/ 177) وحياة سليمان للأستاذ معين الدين احمد الندوي، و"براني جراغ" (المصابيح القديمة) لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي، ومجلة"المعارف"الصادرة في دار المصنفين اعظم جراه الهند. و كتاب"سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - للعلامة شبلي النعماني وتكملته للعلامة السيد سليمان الندوي"عرض وتحليل"أ. د/ تقي الدين بن بدر الدين ندوي، وكتاب الرسالة المحمدية للمؤلف رحمه الله الناشر: دار ابن كثير - دمشق الطبعة: الأولى - 1423 هـ"