الصفحة 19 من 58

لأن {صَالِحُ} - ههنا - ينوب عن الجمع، فيجوز أن يراد به الواحد، كما يجوز أن يراد به الجمع، كما فعل الطبري [1] ، وأبو حيان الأندلسي [2] ، وغيرهما. فإن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يدخلون في ذلك، دخولًا أوليًا، لا يعتري هذا شك، ولا يقاربه لبس.

هما ممن أحبهم الله - عز وجل - وأحبوه:

وقال الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] .

فأخبر الله - عز وجل - في هذه الآية الكريمة: أنه وإن ارتد البعض عن الدين الحق؛ فإن الله - عز وجل - سوف يأتي عوضًا عن كل مرتد، بقوم هم خير منهم، ومن صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم ولين الجانب، وبالمقابل القسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين،". أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن" [3] .

وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين: الشدّةِ والرحمة، إيماء إلى أصالة آرائهم، وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى، ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة، وعدم الرؤية" [4] ."

وقوله - عز وجل: {مَنْ يَرْتَدَّ} جملة شرطية مستقلة، تضمنت خبرًا من أخبار الغيب، التي يخبر بها القرآن فتمت طبقًا لما أخبر به الله - عز وجل - وكان أبو بكر، وأصحابه -

(2) البحر المحيط (8/ 218) .

(3) تفسير القرآن العظيم (4/ 246) .

(4) التحرير والتنوير (14/ 70) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت