الصفحة 13 من 33

فيتسابقون إليه، وكذلك ما يضرهم فيتحرزون منه معًا، وعقد التأمين التكافلي مما ينتفع به الناس بعضهم من بعض على أساس التعاون والتسامح، فهذا يدفع لأخيه وذاك يدفع له.

ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" [1] ، ففي التأمين التكافلي ترجمة فعلية لمعنى تماسك بنيان المؤمنين. وقال أيضًا:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [2] ، فمجموع المؤمن لهم هيئة المشتركي كأنما هي جسد واحد والمؤمن له احد أعضاء هذا الجسد فإذا ما اشتكى من ضرر لحقه سارعت هيئة المشتركين لنصرته ومساعدته على تخطي مخاطر الشكوى" [3] ."

ولا يتصور في تحمل الأمة لآلام الفرد كل الأمة بل الحديث يشمل بعض الأمة كذلك؛ لأن الأمة عبارة عن أفراد وأسر وجماعات، فإذا ما تعاون أسر وأفراد مع بعضهم ماديًا أو معنويًا فيطلق عليهم اسم الجماعة، فقد دخلوا في حكم الحديث كونهم شادين على بنيان الأمة من التصدع والوقوع في الخطر، وعقد التأمين التكافلي يدخل ضمنها، وقد دل عليه حديث الأشعريين دلالة واضحة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منى وأنا منهم" [4] ، وليس علة الحكم، كونهم من رسول الله وهو منهم، قربى الأشاعرة بل تعاونهم مع بعضهم، وعليه؛ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا ما وجد التعاون بهذه الطريقة فمحبوب وإن كان القائمين بها ليسوا بأقارب.

يدل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا قبل الساحل فأمر عليه أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع كله فكان مزودَى تمر فكان بقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة، فقال محدثه: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت" [5] ، فتبين أن العلة في ذلك التعاون والتعاضد على درء خطر الجوع فيهم."

وهذا التعاون الموجود في عصر الرسالة يسمى بالتناهد و"النهد: إخراج القوم نفقاته على قدر عدد الرفقة، حيث يدفع كل واحد منهم مقدار ما دفعه صاحبه لأجل نفقات السفر، فهم متساوون في الدفع،"

(1) متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، رقم: 1670. ينظر: القضاة، حقيقة التأمين التكافلي، ص 7.

(2) المصدر نفسه رقم الحديث: 1671. ينظر: القضاة، المصدر السابق.

(3) القضاة، حقيقة التأمين التكافلي، ص 7.

(4) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، رقم: 1626.

(5) صحيح البخاري، فتح الباري، 5/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت