ولكنهم غير متساوين في الصرف والإنفاق، فقد يصرف على واحد منهم أكثر، ومع ذلك لا ينظر إلى هذا الفرق لأنهم اتفقوا على التعاون، ثم ما تبقى بعد المصاريف يوزع عليهم إن لم يدخروه لسفر آخر" [1] ."
وحيث شرع الشارع في جواز الزيادة والنقصان في التبرعات حالة الدفع والأخذ؛ كونها أعمال تعاونية، فلا يجوز ذلك في المعاوضات؛ لأنه"يغتفر من الغرر في التبرعات غير الربحية ما لا يغتفر في المعاوضات، ولأن المعاوضات قائمة على المشاحة، بخلاف التبرعات فإنها قائمة على المسامحة والإحسان [2] ."
وهذا ما يطبق في عقد التأمين التكافلي كونه عقد على أساس التعاون وليس على أساس المعاوضة، وإن كان فيه معاوضة فمعاوضة تعاونية ليست ربحية، وبشرط رضا الأطراف جميعًا، وحيثما حل في التبرع والتعاون الرضا فقد غاب عنه الغرر من حيث الزيادة والنقصان أو جهالة العوض، ألا ترى الأشاعرة كانوا يأخذون بالتساوي ويدفعون بالتفاوت كل حسب ما عنده، وأصحاب أبا عبيدة يدفعون ويأخذون بالتفاوت كل حسب دفع الحاجة عنه، ولهذا قال البخاري رحمه الله:"كتاب الشركة باب الشركة في الطعام والنِّهْدِ والعَروض، وكيف قسمة ما يكال ويوزن مجازفة أو قبضة قبضة لما لم ير المسلمون في النِّهد بأسا أن يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا وكذلك مجازفة الذهب والفضة والقران في التمر" [3] ، ثم ساق حديث أبا عبيدة المار ذكره، قال ابن حجر في النهد:"والذي يظهر أن أصله في السفر، وقد تتفق رفقة فيضعونه في الحضر كما سيأتي في آخر الباب من فعل الأشعريين، وأنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة، وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين" [4] ، وقال في العروض:"بضم أوله جمع عُرْض ... مقابل النقد، وأما بفتحها فجميع أصناف المال، وما عدا النقد يدخل فيه الطعام ... ويدخل فيه الربويات، ولكنه اغتفر في النِّهد لثبوت الدليل على جوازه" [5] .
والتأمين التكافلي عقد حاملي الوثيقة فيه وهو تحمل التعاون النقدي بعضهم لبعض ملزمين أنفسهم به، -جاعلينه في محفظة التكافل- ومعلقًا على وقوع الضرر المؤمن منه هو؛ وفق القاعدة الفقهية"من ألزم نفسه معروفًا لزمه" [6] .
(1) بو هراوة، التكييف الشرعي للتأمين التكافلي، ص 9 - 10.
(2) المصدر نفسه، ص 4.
(3) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (دارالريان للتراث: 1986 م، ب. ط) ، (كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض) رقم الحديث: 2352.
(4) المصدر نفسه، ص 152 - 153.
(5) المصدر نفسه، ص 154.
(6) ينظر: أوناغن، المباديء الأساسية للتأمين التكافلي وتأصيلها الشرعي، ص 14. وهي قاعدة في الفقه المالكي، ومذهبهم معروف فيه فقه المصالح والمقاصد، بل رائد علم المقاصد منهم الإمام الشاطبي 790 هـ.