الصفحة 14 من 15

بين الخوارج والمرجئة .. وقفة ومقارنة

(المرجئة أشد الفرق إفسادًا للدين، والخوارج أشد الفرق إفسادًا للأمة)

-الخوارج أصل المرجئة[1]:

رغم أن المرجئة أشد خطرًا على الدين من الخوارج كما قال أهل العلم، إلا أن الخوارج هم السبب الأول والرئيسي لظهور الإرجاء، ولولا غلو الخوارج لما كان هناك إرجاء!

وقولنا أن الخوارج هم أصل المرجئة، هو على الحقيقة وليس بطريق التضاد ورد الفعل كما قد يفهم البعض، وأما القول بأن كلًا منهما رد فعل للآخر، فهذا من ناحية التطور التاريخي والواقعي لكل منهما، وليس من ناحية أصل النشأة.

فأصل نشأة الخوارج الأوائل هو ما حدث من خلاف بين علي رضي الله عنه ومعاوية، فحكموا عليهما بالكفر.

وهذه الحادثة هي نفسها أصل نشأة الإرجاء، ولكن المرجئة لم تحكم عليهما بكفر أو إيمان، وتوقفت في أمرهما وأرجأته إلى الله عز وجل في الآخرة، وأول من قال بذلك محمد بن الحسن بن الحنفية، ومنه أخذ المرجئة الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم الإرجائي الخبيث، في إرجاء أمر العباد إلى الله في الآخرة وعدم الحكم عليهم بالكفر، رغم أن الحسن ندم على قوله ورجع عنه بعد ذلك.

ثم تطور كلا المذهبين بعد ذلك ليأخذا طريقًا متضادًا، وذلك حين اتجها لمناقشة مرتكب الكبيرة أو الذنوب فيما هي دون الكفر، فاتجهت الخوارج إلى تكفير مرتكب الذنوب، أيًا كانت درجة تلك الذنوب - سواء كانت من الذنوب المكفرة أو من غير المكفرة -، واتجهت المرجئة إلى عدم تكفير مرتكب الذنوب، أيًا كانت درجة الذنوب، فاتفقوا في مخالفتهم لأهل السنة، واختلفوا في الحكم على مرتكب الذنوب.

ومما يبين اتفاقهم في الأصل، أنهم يتفقون - مخالفة لأهل السنة - أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، ولكنهم اختلفوا في إدخال العمل في مسمى الإيمان، فذهبت الخوارج إلى إدخاله وقالوا الإيمان قول وعمل، وذهبت المرجئة إلى عدم إدخاله وقالوا الإيمان قول بلا عمل.

فالخوارج والمرجئة من حيث النشأة مذهبًا واحدًا، وليسا مذهبين متضادين كما يظن البعض، إلا أنهما تطورا بعد ذلك ليكونا مذهبين متضادين كأشد ما يكون التضاد، وصار كل منهما رد فعل للآخر، وتقاسما الغلو في تناقضهما، كل يغلو في طرفه المضاد للآخر.

(1) للتفصيل راجع كتاب (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) ، للدكتور / سفر الحوالي، ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت