الصفحة 12 من 15

والدارس لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه استطاع بحكمته النبوية الرشيدة أن يقطع الطريق على كل تلك المنعطفات، فحفظ الله به الدين والجهاد من الزيغ والانحراف.

وبذلك كان جهاده صلى الله عليه وسلم مدرسة لنا، نتعلم منها الجهاد السني الصحيح، كما نتعلم منها كذلك كيف نواجه تلك المنعطفات المنحرفة بحكمة نبوية رشيدة.

لقد تمثلت طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة تلك المسارات المنحرفة، في تحذير المسلمين من منعطفاتها وتبيين معالمها وفضح مناهج أصحابها، حتى لا ينخدع بها أحد فيقع في حبائلها.

أما منعطف الخوارج فتمثلت طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في معالجته في الإنكار على أصحابه، وذلك في قوله لذي الخويصرة: {ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل} .

وفضح منهجهم وتبيين أمرهم للناس وتحذيرهم منهم حتى لا ينجرفوا معهم في انحرافهم، وذلك في قوله: {إن له أصحابًا يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِية} ، وقوله: {يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس} ، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في وصف الخوارج وذمهم والتحذير منهم ومن منهجهم.

مع الكف والإمساك عن قتالهم مالم يقاتلونا {دعه؛ فإن له أصحابًا يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم} ، فإن قاتلونا فلا حل معهم سوى قتالهم وقتلهم .. {طوبى لمن قتلهم وقتلوه} [1] .

وقد اتبع علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الطريقة النبوية في التعامل معهم.

وأما منعطف النفاق والخيانة، فقد نزلت الآيات تلو الآيات والسور تلو السور تفضحهم وتبين سماتهم وأوصافهم .. {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [2] .

وجاءت الأحاديث تلو الأحاديث تحذر الناس من المنافقين وتبين علاماتهم .. {آية المنافق ثلاث} [3] .

عندما تنطلق حركة الجهاد البشرية، وأثناء مسيرة الجهاد السني تظهر تلك المنعطفات المنحرفة، فتتجه كل فرقة إلى مسارها البدعي الذي يتوافق مع الطبيعة النفسية لقيادتها وأفرادها، وما تحمله عقولهم من مقدمات فكرية وعقدية منحرفة ومشوهة.

(1) سنن أبي داود (4765) .

(2) محمد: 30.

(3) صحيح البخاري (33) ، وغيره. ومما يستفاد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الجهاد كان يعالج منعطفاته المنحرفة بالدعوة والتعليم والبيان، وهذا يبين أن الجهاد لا يمكن أن ينفصل أبدًا عن طلب العلم والدعوة والتربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت