فالحقيقة أن بداية مذهب المرجئة أنه انشق عن مذهب الخوارج، وأصبح كرد فعل له، فلما كفر الخوارج بكل ذنب، جاء المرجئة على طرف نقيض فلم يكفروا بأي ذنب، ولما رأوا أن سبب تكفير الخوارج للمسلمين اعتبارهم العمل جزءًا من الإيمان، أخرجوا العمل من مسمى الإيمان!، وهكذا افترق المذهبان بعد أن كانت أصل نشأتهم واحدة.
وهذا الكلام نقوله لننبه على ما نتوقعه من خطورة ظهور الإرجاء وغلوه في ساحة الشام، وخاصة أننا بدأنا نرى بعض أعراضه وعلاماته عند البعض.
مما يتفق فيه خوارج ومرجئة العصر أنهم يعرفون الإيمان نظريًا على طريقة أهل السنة ولا يكادون يخالفونهم في شيء البته، ولكنهم عند التفريع والتطبيق العملي يخالفون قواعد أهل السنة ويذهبون إلى مذاهبهم الفاسدة.
فهم عند تعريف الإيمان يقولون الإيمان قول وعمل، ويقولون بتبعضه، وأنه يزيد وينقص، تمامًا كقول أهل السنة، إلا أنه اتفاق نظري فقط.
وأما عند التفريع والتطبيق العلمي فتظهر حقيقة مذهبهم الفاسد.
فأما الخوارج فيفرعون على طريقة عدم تبعض الإيمان، وأنه شيء واحد لا يتبعض أو يتجزأ، ولا يزيد ولا ينقص، رغم قولهم بتبعضه وزيادته ونقصانه نظريًا، وبذلك يقعون في مذهب الخوارج الفاسد فيُكفَّرون بما ليس بمكفر، فينقضون إيمان المرء بمجرد وقوعه في عمل يخالف الإيمان، بغض النظر عن درجة المخالفة، هل هي مخالفة لأصله أم هي مخالفة لكماله الواجب. فهذه طريقتهم العملية في التعامل مع مسمى الإيمان.
وأما المرجئة فهم على العكس من ذلك، فتجدهم يفرعون على طريقة أن الإيمان قول بلا عمل، وأنه ليس هناك عمل أو ذنب مكفر، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، طالما شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
فهم ينظرون إلى كل ذنب على أنه مخالف للإيمان الواجب، حتى لو كان مخالفًا لأصل الإيمان هادمًا له، لأن أصل الإيمان عندهم - عمليًا - هو القول فقط، فلا ينقضون إيمان المرء بوقوعه في المكفرات، ولا ينظرون لأعماله على أنها من المكفرات أصلًا!
فهم متفقون في تعريفهم النظري للإيمان مع أهل السنة والجماعة، ولكنهم مختلفون معهم مفترقون عنهم عند التفريع والتطبيق العملي.
ومما يتفقون فيه كذلك - أي الخوارج والمرجئة - أن مآل جهادهم تسليم الأمة لأعدائها، وإن اختلفت طريقة التسليم.
فالخوارج ينتهجون الشدة والعنف في طريقتهم، مما ينفر الأمة عنهم ويفضح حالهم سريعًا، وتجربة الجزائر خير مثال، وخوارج الشام والعراق يسيرون على دربهم بنهج مفضوح.