الصفحة 13 من 15

والانحراف في بدايته لا يكون كبيرًا ظاهرًا كما هو الحال في منتصف الطريق ونهايته، فإن الناس لا يتحولون عما هم عليه من الخير إلى الشر فجأة، وإنما هم يتدرجون في ذلك التحول، فيكون الانحراف في أوله بسيطًا لا يراه غالبًا إلا ذوي العلم والخبرة ممن رزقهم الله البصيرة والفقه في الدين، ثم بعد ذلك تتسع درجة الانحراف وتكبر تدريجيًا، حتى يراه غالب الناس.

وهو في ذلك مثل انحراف مقود السيارة، فإن السيارة إذا انحرف مقودها لا تنتقل إلى طرف الطريق مباشرة، وإنما تنحرف بشكل تدريجي حتى تنتقل من وسط الطريق إلى أحد أطرافه.

ولذلك فإن من ينزلقون في هذه المسارات المنحرفة لا يرون الانحراف في أوله لجهلهم وخفة عقولهم، بل إنهم لا يستطيعون رؤيته بعد ذلك أيضًا لإشراب قلوبهم له واعتقادهم إياه حقًا يدينون الله به ولغلبة الأهواء عليهم، فيعمدون إلى التأصيل لما وصلوا إليه من نتائج باطلة بمقدمات منحرفة فاسدة.

وقد أحسن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه} [1] .

(1) سنن أبي داود (4597) ، والحديث حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت