وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مالٍ أو فراق حبيب
ولما توفيت ياقوتة بنت المهدي جزع عليها جزعًا لم يسمع بمثله , فجلس وجاء الناس يعزونه فأمر ألا يحجب منه أحد , فأكثر الناس في التعازي واجتهدوا في البلاغة والفصاحة لكونه الخليفة ثم أجمعوا بعد ذلك أنهم لم يروا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية ابن شبة رحمه الله يوم قال:
أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرًا وأعقبك خيرًا و لا أجهد بلاءك بنقمة ولا نزع منك نعمة , ثواب الله خير لك منها , ورحمة الله خير لها منك , أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك، فكان مما سرى على أمير المؤمنين مثل هذه التعزية.
ويقول أحد المعزين في لطائف التعازي لقاضٍ من قضاة بلخ توفيت أمه , قال له:
إن كانت وفاته عظة لك فأعظم الله أجرك على موتها , وإن لم تكن لك عظة , فأعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال: أيها القاضي , أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة ولم يرد عليك أحد حكمًا, فكيف بحكم واحد عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به؟، فسري عنه وكشف ما به وقال: تعزيت تعزيت.
وعزى موسى بن المهدي سلمان بن أبي جعفر في ابن له مات فقال:
أيسرك وهو بلية وفتنة؟ ويحزنك وهو صلاة ورحمة وهدى؟
يشير إلى قول الله عز وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) .
ويشير بالثانية إلى قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
فلله ما أعطى ولله ما حوى وليس لأيام الرزية كالصبرِ
فحسبك منهم موحشًا فقد برهم .... وحسبك منهم مسليًا طلب الأجرِ
وروي أن سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب قال لعمر بن عبد العزيز ورجاء:
إني لأجد في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة.