ولذا يقول شريح عليه رحمة الله: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات , أحمده إذ لم يجعلها أعظم مما هي عليه وأحمده إذ رزقني الصبر عليها والاحتساب , وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب , وأحمده أن لم يجعلها في ديني فإن من كل شيءٍ عوضًا إلا الدين) .
من كل شيءٍ إذا ضيّعته عوض وما من الدين إن ضيعت من عوضِ
العلم بأن الدنيا فانية زائلة , وكل ما فيها يتغير ويحول ويفنى ويزول , لأنها إلى الآخرة طريق وهي مزرعة للآخرة على التحقيق , إنها ألم يخفيه أمل , وأمل يحققه بإذن الله عمل , وعمل يقطعه الأجل , وعندها يجزى كل امرئٍ بما فعل , إنها الدنيا إن حلت أوحَلت , وكست أوكست , ودنت أودنت , وكم من ملكٍ رفعت له علامات , فلما علا مات.
هي الأيام لا يبقى عزيز وساعات السرور بها قليلة
إذا نشر الضياء عليك نجم وأشرق فارتقب يومًا أفوله
إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا , وإن سرّت يومًا أحزنت شهورًا , وإن متعت كثيرًا منعت طويلًا , لا يبقى لها حبور و لا يدوم فيها ثبور.
اليوم عندك دلّها وحديثها وغدًا لغيرك كفها والمعصمُ
قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) .
ما أدق التعبير القرآني! عندما يشير إلى أن الحياة الدنيا يوم توزن بموازين الدنيا تبدو أمرًا عظيمًا هائلًا , لكنها حين تقاس وتوزن بموازين الآخرة تبدو شيئًا تافهًا زهيدًا حقيرًا، بل لعبة أطفال.