ثم تأتي الصورة القرآنية لتصور الدنيا كزرع أعجب الزارع نباته ينمو شيئًا فشيئًا حتى يكتمل ثم يهيج فتراه مصفرًا جاهزًا للحصاد , فهو موقوت الأجل ينتهي عاجلًا ويبلغ أجله قريبًا ثم يكون حطامًا وينتهي شريط الحياة بمشهد الحطام ويا لها من نهاية.
وأما الآخرة فلها شأن وأي شأن؟ يستحق شأنها أن يحسب حسابه وينظر إليه ويستعد له , وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
فهي لا تنتهي في لمحة كالحياة الدنيا وهي لا تنتهي إلى حطامٍ كالنبات البالغ أجله , بل حساب وجزاء ودوام يستحق الاهتمام (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فإنما يستمد قوامه من الغرور الخادع يلهي وينسي وينتهي بأهله إلى غرور خادع , فما أحوج المؤمن إلى الاستعلاء على الغرور الخادع ليحقق عقيدته ولو اقتضى أن يضحي بالحياة الدنيا جميعها , فما هي إلا حطام أو كظل وسراب.
روى الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن قال: قال صلى الله عليه وسلم:
(مالي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها) .
أحلام نوم , أو كظلٍ زائلِ إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ
يقول بعض أهل العلم: (لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه فيما بسط لنا منها , ذلك لم يرضَ الله لنبيه بالدنيا , فلأن أكون فيما رضي الله لنبيه وأحبه له أحب إلي من أكون كما كره له وسخط) .