وبالتالي، فإنّ من ينفقون العفو يتنافسون فيما بينهم لسد حاجات المجتمع، ويترتب على ذلك أن المجتمع يجد، دائمًا، من أفراده من يقوم بسد حاجاته، فإذا وُجِد جائع تسابق الناس لإطعامه، وإذا وُجد عارٍ تسابق أصحاب العفو لكسوته، وإذا وُجٍد مريض تسابق أصحاب العفو لعلاجه، بل وإذا وُجِدت الحاجة إلى مشروع زراعي، أو صناعي، أو خدمي تسابق أصحاب العفو إلى إنشائه. وهكذا يصبح العفو مصدرًا لتمويل التنمية؛ بحيث إنّه كلّما احتاج المجتمع إنفاقًا على ما يُسْهِم في تحقيقها، وُجِد من أصحاب العفو من يقوم به، متخليًا عن ملكيته أو محتفظًا بها، تبعًا لطبيعة الإنفاق الذي يوجَّه إليه العفو.
حيثما وجد المسلم يوجد نوع من إنفاق العفو يُمَكِّنه من تحقيق التكافل الاقتصادي والاجتماعي الذي هو نفع وخير للمجتمع وأفراده، فالعفو ليس موجودًا عند الأغنياء أصحاب المال فقط، ولكنه موجود عند كل مسلم غنيًا كان أو فقيرًا، فالغني لديه فضل مال يفعل به الخير، والفقير لديه فضل جهد يفعل به الخير ويقدم به العفو.
ولقد ظنّ بعض الصحابة (فقراء المهاجرين) أنّ العفو هو العفو المالي، ورأوا أن القدرة المالية للأغنياء تَمكِّنهم من السبق إلى الخير والتقدم بذلك على الفقراء، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور (الأغنياء) بالأجور، لكنه (ص) صحَّح لهم هذا المفهوم وبيَّن المدى الواسع الذي ينتشر به العفو، وأنه موجود لدى كل إنسان بقدرٍ ما، وأن كل مسلم يستطيع أن يبذل الخير وينافس أصحاب المال باستخدام ما لديه من إمكانات تجعله محل رضوان الله تعالى، فالخير ليست وسيلته المال فقط، بل كل نفع للناس أيًّا كانت أداته وقال لهم: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة» .