يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {ويسألونك ماذا يُنفقون قُلِ العفو} (البقرة/219) . والعفو في اللغة الفضل؛ أي ما زاد على الحاجة، ويقول النسفي في شرح هذه الآية: «أي أنفقوا العفو مما فضل عن قدر الحاجة» ، ثم يضيف: «وكان التصدق بالفضل، في أول الإسلام، فرضًا؛ فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل، وإذا كان صانعًا أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل، فنسخت آية الزكاة الفضل» . ومعنى ذلك أنّه: إذا كان المجتمع الإسلامي قليل الموارد، كان على كل عضو منه أن يرد إليه؛ أي أن يدفع إلى الفقراء المحتاجين جميع ما يزيد عن حاجته، حتى يمكن إقرار التوازن المعيشي، وهكذا يتسع حق الفقراء في أموال الأغنياء إلى درجة أخذ العفو منهم إذا اقتضت الضرورة ذلك، ويشهد لمشروعية هذا التدبير حديث الرسول (ص) : «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم» .
لا شك في أنّ إنفاق العفو على الغير، بتمليكه له، يُعدُّ إنفاقًا في سبيل الله ما دام يقصد بذلك وجهه تعالى، غير أن التكليف بإنفاق العفو جاء مَرِنًا إلى حدٍّ كبير، وجاء مطلقًا من دون قيود، فلم يكن تكليفًا بنسبة محددة، كما هو الحال في التكليف بالزكاة، وإنما جعل الله تعالى العفو كله محلًا للإنفاق. ومن هنا، فإنّ إنفاق العفو يساهم بأكثر من صورة في تحقيق التكافل الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع.