وفي سياق الاهتمام المتزايد _ عالميًا وعربيًا _ بمختلف مؤسسات المجتمع المدني وفعالياته، وتزايد الاهتمام بالمنظمات الأهلية غير الحكومية، فإن البحث عن نظام «إنفاق العفو» من خلال مؤسساته، وإسهاماته في بناء ودعم تلك المؤسسات، يضحى أمرًا ضروريًا، وبخاصة أن الدراسات القليلة حول هذا النظام، تؤكد أنه بمؤسساته المتنوعة، وبإرثه التاريخي العريق، يكشف عن نمط متميز من أنماط «المشاركة الاجتماعية» ، وأنه أحد القواسم المشتركة بين مختلف المجتمعات العربية الإسلامية.
وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن هذا النظام، أيضًا، يمكن إحياؤه، وتفعيل دوره في بناء المجتمع المدني العربي وتطويره، وفي دعم استقلاله، ونهضته، ووحدته.
إنَّ لدى جميع بلدان وطننا العربي _ بلا استثناء _ إرثًا معتبرًا من أموال وممتلكات عقارية ومؤسسية، ولكنّ هذا الإرث غير مرئي، وهو موضوع في دائرة الظل في أغلب الأحوال، وغير مستَغَلٍّ بالكفاءة المطلوبة لمصلحة المجتمع، بل وإنّ هذا الإرث لا يزال _ في كثير من الأحيان _ عنوانًا على التأخر والإهمال.
وثمة أسباب كثيرة تقف خلف ضعف أداء «إنفاق العفو» في الوطن العربي، وتكرس حالة الضمور في مؤسساته، والكساد لإرثه الاقتصادي، ومن تلك الأسباب _ وربما من أهمها _ ضمور المعرفة بـ «إنفاق العفو» ذاته، وانحسار الوعي به على مستوى النخب المثقّفة والجماهير العربية على حد سواء. ومن هنا، يبرز وجه رئيسي من وجوه الأهمية العملية لتفعيل دور إنفاق العفو في الوطن العربي؛ وذلك بالنظر إلى العلاقة الجدلية بين «النظرية والتطبيق» ، وهو ما يعني أن الضمور في أحد طرفي المعادلة يؤدي إلى ضمور في طرفها الآخر.
ومن ثَمّ، فإن تفعيل هذا الدور في الوطن العربي، عمليًا، يقتضي إحياء المعرفة العلمية المنظِّمة له في مختلف الأوساط، فضلًا عن الوعي بأهميته والدعوة لممارسته على نطاق المجتمع كله.