الصفحة 2 من 20

ولقد وضع القرآن أسسًا نفسيةً وأخرى مادية، لإقامة التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع الإسلامي. ولعلَّ من أهمِّ الأسس النفسية هو إقامة العلاقات المادية والمعنوية على أساس الأخوّة، لقوله تعالى: {إنّما المؤمنون إخوةٌ} (الحجرات/10) . وربط الإيمان باستشعار حقوق الأخ، كما رتَّب على رابطة الأخوّة الحب؛ فلا يؤمن الإنسان المسلم، ولا ينجو بإيمانه، ما لم يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ويعيش معه كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وجعل العدل وحفظ الحقوق من قيم الدين الأساسية، بل نُدب إلى عدم الاقتصار على العدل وهو إحقاق الحق، أو إعطاء كلِّ إنسان حقه من دون ظلم، وإنما الإرتقاء إلى الإحسان، وهو التنازل له عن بعض الحقوق. ومن الأسس النفسية أيضًا، الإيثار، وهو عكس الأثرة والأنانية. والإيثار تفضيل الآخر على النفس، من أجل إشاعة جو العفو والرحمة، وهي الغاية التي جاءت من أجلها الشريعة.

وقد عرفت المجتمعات الإسلامية بدايةً نظام «إنفاق العفو» ومارسته طيلة أربعة عشر قرنًا، وكان هذا النظام _ ولا يزال بدرجةٍ ما _ قاعدةً لبناء مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي، في مختلف مجالات التكافل الاقتصادي والاجتماعي، التعليمية والصحية، والخدماتية، بل ويمكن القول: إنه كان أحد الابتكارات المؤسسية الاجتماعية التي جسدت الشعور الفردي بالمسؤولية الجماعية، ونقلته من مستوى الاهتمام «الخاص» إلى الاهتمام «العام» تجاه المجتمع والدولة معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت