واستخدام العفو في تحقيق التكافل بين المسلمين، مع الاحتفاظ بملكيته، يمثِّل الحدَّ الأدنى لإنفاق العفو في سبيل الله. فبناء المشروعات الاستثمارية التي تحقق مصالح مؤسسيها، وتحقق، في الوقت نفسه، مصلحة المجتمع الإسلامي، يمثِّل صورةً من صور إنفاق العفو في سبيل الله. وعدم إنفاق العفو في هذه الصورة يعني تعطيل المال والجهد وإضاعتهما، وفاعل ذلك يقع تحت طائلة النهي عن إضاعة المال وتبديد الجهد. وتتدرج صور «إنفاق العفو» صعودًا بعد هذه الصورة التي تشتمل على تحقيق مصلحة صاحب العفو بتنمية ثروته وزيادة دخله، وتحقيق مصلحة المجتمع بإيجاد فرص للعمل وسلع للاستهلاك؛ حيث تليها صورةٌ كثيرًا ما استخدمها المسلمون ودعا إليها النبي (ص) ، وهي تتمثل في إنشاء مشروعٍ يزيد من حجم ثروة صاحب العفو، ولكنّ دخله وعوائده تكون لصالح المجتمع، مثل: من يبني دورًا يملكها ويزيد بها حجم ثروته، لكنه يخصصها لسكنى الفقراء وأبناء السبيل، مثلًا، وينتفع بها إذا احتاجها، وهي المنحة التي دعا إليها النبي (ص) ، فعن جابر بن عبد الله قال: كان لرجال فضول أرضين من أصحاب رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : «من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه» .
والمنحة نوع من الإعارة، ولكن فيها معنى العطية، فإنّ إعارة شاةٍ أو ناقةٍ ليُشرب لبنُها تسمى منحة؛ ولهذا، فإنّ من منح غيره شيئًا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدار، والدّابة، والثوب، ففيه دليل على رد المنحة على الممنوح له؛ لأنّ منفعة النقل حصلت.