ومن كل هذا، يتبين لنا أن أقرب تفسير للماعون الذي توعد الله تعالى مانعه بالويل، هو أدوات الإنتاج (الفأس، في أمثلتهم) وأدوات الاستخدام المعيشي (القدر، والقصعة، والإبرة، في أمثلتهم) ، والتي تختلف باختلاف المستويات الحضارية وتقدم الفنون الإنتاجية، ويجمعها قول ابن العربي: «الإمداد بالقوة، والآلة، والأسباب الميسرة للأمر» . وقد حفلت السُّنة المطهرة بالحث على كثير من تطبيقات هذا التكليف، حثّ عليه الصلاة والسلام المسلم أن يعير أخاه حيوانًا ذا لبن، ينتفع بلبنه سنة ثم يرده، فقال: «أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة» . قرر صلوات الله وسلامه عليه، أن أفضل الصدقات يتمثل في تقديم منافع الأدوات وعوامل الإنتاج، فقال: «أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله» ، فهذه الإرشادات، والأوامر، والتقريرات، كلها تتناول تقديم أدوات إنتاج، أو أدوات استعمال معيشي، فمنيحة العنز تعني: تقديم مصدر إنتاجي، يحصل منه متلقيه على ما يسدُّ حاجته، ومنيحة الخادم تعني: تقديم مصدر إنتاجي، يحصل متلقيه على خدماته الإنتاجية، وطروقة الفحل تعني: تقديم خدمة إنتاجية تمثل مصدرًا لنماء الثروة الحيوانية، وظل الفسطاط يعني: تقديم مصدر إنتاجي يحصل متلقيه على منفعة في صورة السكنى، وكذلك السماح بغرز الخشب في الجدار، يسهم في توفير المسكن الذي يعدُّ مطلبًا ضروريًا من مطالب الحياة الأساسية.