الصفحة 17 من 25

قَالَ في الكَافِيةِ [1] :"ولا يَعْمَلُ في مُظْهَرٍ إِلاّ إِذا كَانَ صِفَةً لِشَيءٍ وهو في المَعْنى لِمُسَبَّبٍ مُفَضَّلٍ باعْتِبارِ الأَوَّلِ على نَفْسِه باعْتِبارِ غَيْرِه مَنْفِيًّا [2] نَحْو [3] : (ما رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ في عَيْنِه الكُحْلُ منْه في عَيْنِ زَيْدٍ) ؛ لأَنَّه بِمَعْنى (حَسُنَ) مَعْ أَنَّهُم لَوْ رَفَعُوا فَصَلُوا بَيْنَه وبينَ مَعْمُولِه [4] بِأَجْنَبِيٍّ، وهو الكُحْلُ، ولَكَ أَنْ تَقُولَ: (أَحْسَنَ في عَيْنِهِ الكُحْلُ منْ عَيْنِ زَيْدٍ) وإِنْ [2 ظ] قَدَّمْتَ ذِكْرَ العَيْنِ قُلْتَ: (ما رَأَيْتُ كَعَيْنِ زَيْدٍ أَحْسَنَ فيها الكُحْلُ) " [5] .

أَقُولُ: اشْتُرِطَ جَرْيُ اسْمِ التَّفْضيلِ على غَيْرِ مَا هُو لَه لِيَصِحَّ عَمَلُه في الظَّاهِرِ [6] ؛ إِذْ بِدُونِه إِمّا أَنْ يَلْزَمَ الإِضْمارُ، ولا كَلامَ فيهِ [7] ، أَوْ العَمَلُ بِدُونِ الاعْتِمادِ، ولا يَصِحُّ فيما هو أَقْوى مِنه فَكَيْفَ فيه [8] ؟! أَوْ بالاعْتِمَادِ عَلى النَّفْيِ أَوْ الاسْتِفْهامِ، ولا يُمْكِنُ؛ لأَنَّه يُشْتَرطُ فيه أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ واقِعَةً مَوْقِعًا يَصِحُّ اسْتِعْمالُ الفِعْلِ فيه منْ غَيْرِ تَغْييْرٍ آخَرَ لِتَكُونَ جُمْلَةً، ولِذا مُنِعَ وَصْفُها وتَصْغيرُها وتَعْريفُها [9] ، ولا يُمْكِنُ هُنا مَعْ وُجُودِ (مِنْ) التَّفْضِيْلِيَّةِ، وبِدُونِها لا يَكُونُ ما بَعْدَه - أَعْني المَوْصُوفَ المَعْنَوِيَّ - مُفْضَّلًا ومُفَضَّلًا عَليه إِلاّ أَنْ يَقُومَ مَقَامَها آخَرُ [10] ، ولَيْسَ

(1) انظر النّص في الكافية 187.

(2) كَذا في الكافية 187، وفي الأصل: (منها) وهو تحريف.

(3) في الكافية 187: (مثل) .

(4) في الكافية 187:"لَفَصَلوا بينَ (أحْسنَ) ومَعْمُولِه".

(5) تَرَكَ الدّماميني منْ نَصّ الكافية المُتَعلّقِ بمسألةِ الكحلِ وهي مسألة عمل أفعل التّفضيلِ في الظّاهر شَاهِدًا شِعْرِيًّا، وهو قَولُ ابن الحاجِبِ ص 187:"مِثل:"

مَرَرْتُ على وادِي السِّباعِ ولا أَرى ... كَوادِي السِّباعِ حِيْنَ يُظْلِمُ وَادِيا

أَقَلَّ بِه رَكْبٌ أَتَوْه تَئِيّةً ... وأَخْوَفَ إِلاّ ما وَقى اللهُ سَارِيا""

(6) يقصد من هذا الكلام أَنّ أَفعل التّفضيل صفةٌ لا تتعلّق بِما قبلها في المعنى، وإنّما تتعلّق بما بَعدَها، وهذا شرطٌ من شروط عملها الرفعَ في الظّاهر بعدها، وهذا ما أشارَ إليه ابنُ الحاجب في قوله في الكافية 187:"إذا كان صفة لشيءٍ وهو في المعنى لِمسبّبٍ".

(7) لا خلافَ في عَمله في الضّمير. وسيأتي الحديث عنه.

(8) يقصد اسمَ الفاعِلِ إِذْ هو أَقْوى المُشْتَقّاتِ في العَمَلِ بعدَ الفِعْلِ، وفي عَمَلِه منْ غيرِ اعتِمادٍ على النّفي أو الاسْتِفهامِ خِلافٌ فالأخفش والكوفيّونَ يُجيزونَ ذلكَ ويرون أنّ المرفوعَ في مثلِ: (قائمٌ الزّيدان) فاعلٌ لاسمِ الفاعِلِ، وسيبَويه يستَقبحُ ذلك. انظر المسألة في توضيح المقاصد والمسالك للمرادي 1/ 472 وشرح جمل الزجاجي لابن خروف 1/ 401 - 402 وشرح الرضي 1/ 226 ونتائج التّحصيل 3/ 957 - 958.

(9) يُرادُ بالصّفةِ هاهنا اسمَُ الفاعلِ والمَفْعول والصّفةُ المشبّهةُ فهي في المعنى كالفِعلِ وتَتِمُّ مع فاعلِها فَتَكونُ جُملَةً، ولِذلك لَمْ تُصّغَّر هذه الصّفةُ ولَم تُوصَف ولَمْ تُعَرّف ولَمْ تُثنَّ ولَمْ تُجْمَع إلاّ على لغةِ أكلونِي البَراغيثُ. انظر شرح الرّضي 1/ 225 وشرح التّسهيل لابن مالك 1/ 272 - 273 ونتائج التّحصيل 3/ 955 - 956

(10) في الأصلِ: (بآخر) تحريف. ويسْتَغني أفعلُ التّفضيلِ عن (مِنْ) ومَجْرورِها بالإضافَةِ والألف واللام فَتقول: (زيدٌ الأفضلُ) و (يوسفُ أحسَنُ الإخْوَةِ) .انظر شرح الكافية الشّافية 2/ 1134 وتوضيح المقاصد والمسالك 2/ 934،938 وقد يُسْتَغْنى بِتَقدير (مِنْ) عن ذكرها إذا دَلّ دليلٌ نَحْو قَولِه تعالى:"والآخرة خيرٌ وأبقى" [الأعلى 17] انظر شرح ألفيّة ابن مالك لابن النّاظم 480.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت