لَمْ تَرِدْ نِسْبةُ هاتَين الرّسالَتَيْن للدّماميني عِنْدَ أَحدٍ مِمّن تَرجَمَ له، وهذا أَمْرٌ طَبيعِيّ فَهاتانِ رِسَالَتانِ صَغيرَتانِ لا تَتَجاوزُ الرّسالَةُ الوَرَقَةَ الواحِدَةَ، قَد يكونُ كَتَبَها في تَنَقّلِه فلا تَسْتَحِقُ أنْ تُذْكَرَ في كُتُبِ التّراجِمِ لِصِغَرِها بالنّسْبَةِ إلى مُؤلّفاتِه المَوسوعية الأخرى.
وورَدَتْ نِسْبَتُهُما للدّماميني في مُقَدّمِةِ المَخْطُوطِ، وهذا كافٍ في إثباتِ نسبتِهِما إليه، وهما رِسالَتانِ وَرَدَتا مُتَتالِيَتين في لَوحتين، والنّسبَةُ واضِحَةٌ في مقدّمتهما حيثُ يقولُ ناسخُهما:"هذا إظهار التّعليقِ المُغلق لِوُجُوبِ حذفِ عامِلِ المَفْعُولِ المُطْلق للشيخِ بدر الدّين الدّماميني".
وقد رَأيتُ أنّ من المفيدِ نَشْرَ هاتين الرّسالتين، وإنْ كانتا لا تساويان شيئًا في تراثِ الدّماميني النّحوي، فهو صاحب المؤلّفات الكثيرة في النّحوِ، وقد شُرحَ هذان الموضوعانِ في كتبه إلاّ أنّ هاتين الرّسالتين قد خُصّتا بقضيّة"العلّة النّحويّة"لموضوع المفعول المطلق واسم التّفضيل، وهذا الاختصاص هو القيمة العلميّة لهاتين الرّسالتين.
حَمَلتْ الرّسالةُ الأولى اسم"إظْهارُ التّعليلِ المُغْلقِ لِوُجُوبِ حَذْفِ عامِلِ المَفْعُولِ المُطْلقِ"تناولَ فيها نَصًّا منْ الكافية، وهو النّصّ المُتَعلّقُ بحذفِ العاملِ في المصدرِ قياسًا، وحرص في شرحه لهذا النّصّ على بَيانِ أمرين: قَرينَةِ الحَذفِ والقائمِ مَقامَ المَحذوفِ، فذَكَرَ في هذا المَوضعِ عِدّةَ قرائن، منها تعَيّنُ المَصْدَرِ لكونِه مفعولًا مطلَقًا، وعدمُ صلاحيّة المصدرِ للخَبَرِ، والجُملة، وغَيْرُها من القرائن.
وتَناولت الرّسالَةُ الثّانِية ما يُسَمّى بـ (مسألة الكحلِ) ، وقد حَملَتْ هذه الرّسالة اسم:"إبراز التّعليل الزّاهر ليُبَرّرَ عَمَلَ اسمِ التّفضيلِ في الظّاهر"وهي تتَعلّقُ بِرَفْعِ اسمِ التّفضيلِ للفاعِلِ، وهذا لأنّ اسمَ التّفضيلِ خَالَفَ اسمَ الفاعِلِ وغيْرَه من المشتقّات التي تقومُ بعمَلِ الفِعْلِ بِعَدَمِ وُجُودِ فِعْلٍ بِمعناه، فقَصُرَ عن العَملِ، فَلَمّا وُجِدَ بَعْدَه مَرْفُوعٌ احْتاجَ إلى نَظَرٍ وتَعليلٍ.
وتَناوَلَ هذه المَسألةَ جُمْلَةٌ من النّحاةِ، فظَهَرت لَهم فيها أَبْحاث خاصّة بها، منهم الجاربردي [1] ، وابنُ الصّائغ [2] صاحب رسالة"الوضعِ الباهِرِ في رَفْعِ"
(1) خزانة الأدب 8/ 320 والجاربردي أحمد بن الحسن، أخذ عن البيضاوي، وله تصانيف منها الحاوي في الفقه وشرح الكشّاف وشرح شافية ابن الحاجب، توفي سنة ستٍّ وأربعين وسبعمائة. انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 303 وهدية العارفين 1/ 108.
(2) ابن الصّائغ شمس الدّين محمّد بن عبد الرحمن، ولد قبل سنة عشرٍ وسبعمائة واشتغل بالعلم فبرع في النّحو والصرف، له من التّصانيف شرح ألفية ابن مالك والمباني في المعاني وغيرها، توفي في سنة ستٍّ وسبعين وسبعمائة. انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 156 وهدية العارفين 2/ 99