اتفقت المذاهب الأربعة على حرمة اتخاذ المساجد على القبور [1] وحثوا على هدم القباب على القبور ومنعوا من تقديس الأضرحة والمشاهد وحرّموا شدّ الرحال لها، قال ابن القيم - رحمه الله - عن شيخه: (وصرّح أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة من العلماء أطلقت الكراهة لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بهم، إذ لا يظن بهم أن يجوزوا ما تواتر عن رسول الله لعن فاعله والنهي عنه) [2]
وسوف نقتصر هنا على مذهب الإمام الشافعي [3] - رحمه الله - ونعرض أقوال العلماء منهم، ليس تعصبًا ولكن لأن حضرموت اشتهرت بالمذهب الشافعي في الفقه [4] وهو واحد من المذاهب الأكثر انتشارًا في اليمن عمومًا، كما اشتهر قبله المذهب الحنبلي والمالكي والحنفي، [5]
ونبدأ بذكر ابن حجر الهيتمي [6] ليس تفضيلًا على من بعده ولكن لأن له مكانه عند العلويين في حضرموت واختاروا كتبه للتدريس واعتمدوا كثيرا من فتاويه، يقول ابن حجر الهيتمي ـــ رحمه الله ـــ في كتابه [الزواجر عن اقتراف الكبائر] : الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد وإيقاد المسرج عليها واتخاذها أوثانًا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها .. ) [7] .
فقد عدّ ابن حجر - رحمه الله- هذه الأنواع من التقديس المنحرف للأضرحة من كبائر الذنوب التي تغضب الله رب العالمين.
وقال الإمام الشافعي ـــ رحمه الله ـــ: (وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس) .
وكلام الشافعي ـــ رحمه الله ـــ هذه يبين أن مراده بالكراهة الكراهة التحريمية [8] .
وقال السبكي الشافعي ـــ رحمه الله ـــ: (ولا يمسّ القبر ولا يقرب منه ولا يطوف به) . [9]
وقال الإمام البيهقي الشافعي (رحمه الله) : ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق [10]
وقال الإمام الشافعي أيضًا ـــ رحمه الله ـــ (وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرا أو نحوه، وأحب أن لا يبنى ولا يجصص فان ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحدا منهما، ولم أر قبورًا للمهاجرين والأنصار مجصصة، قال(الراوي) عن طاووس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تبنى القبور أو تجصص، وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها ولم أرَ الفقهاء من يعي
بون ذلك) [11] .
(1) الألباني [تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد] صـ 33 ـ.
(2) الشوكاني (شرح الصدور بتحريم رفع القبور) صـ 23 ـ.
(3) الشافعي: أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي، ولد بغزة سنة 150 هـ وتوفي بمصر 204 هـ وإليه ينسب المذهب الشافعي.
(4) كرامه بامؤمن (الفكر والمجتمع في حضرموت) صـ 170 - 172 ـ.
(5) ويعود سبب انتشار المذهب الشافعي في حضرموت إلى طلاب العلم الحضارم الذين رحلوا إلى مكة ومصر وغيرها ليؤسسوا أول مدرسة للمذهب الشافعي في القرن الرابع الهجري ومن هؤلاء الحضارم: [محمد بن عبدالله الحضرمي، مسكنه تريم] وغيره كثير، وليس للتصوف فضل في نشر المذهب الشافعي في حضرموت في الفقه.
(6) هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المصري المكي المتوفي سنة 974 هـ وكان شافعي المذهب أشعري المعتقد صوفي الطريقة وله مكانة كبيرة عن العلويين بحضرموت ويعد من أهم مراجعهم.
(7) ابن حجر الهيتمي (الزواجر عن اقتراف الكبائر) 1/ 120 - 121
(8) عبدالرحمن آل الشيخ (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص [230] ) .
(9) تقي الدين السبكي (فتاوى السبكي) 2/ 56
(10) الإمام البيهقي (كتاب الاسماء والصفات) ص 241
(11) الإمام محمدبن ادريس الشافعي (الام) . 1/ 316