الدُّنيا والآخِرَة بَرْزَخًا يَدُلُّ على فَناء الدنيا باعْتِبَار، وهو في الحقيقة إما رَوْضَةٌ مِن رِيَاض الجَنَّة أو حُفْرَةٌ مِن حُفَر النَّار، فَسُبْحَان مَن يَخْلُق ما يَشاء ويَخْتَار، ويَرْفِق بِعِبَاده في جميعِ الأقطار، وسَبَقَت رَحْمَتُه بِعِبَاده غَضَبَه وهو الرَّحيم الغَفَّار.
أحْمَدُه على نِعَمِه حَمْدًا يَليق بِجَلاله وعَظيم سُلْطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له الواحِدُ القَهَّار، وأشهد أن مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُه النَّبي المُخْتَار، والرَّسُولُ المَبْعوثُ بالتَّبشيرِ والإنْذَار، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصَحْبِه.
أما بعد:
قال ابن القيم - رحمه الله - «وكان هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في الجَنائِز أكْمَل الهَدي، مُخَالِفًا لهَدي سَائِر الأُمَم مُشْتَمِلًا على إقامة العُبوديَّة لله ... - تعالى - على أكْمَل الأحْوَال، وعلى الإحْسَان للميت ومُعامَلَته بما يَنفَعُه في قَبْرِه و يَوم مَعَادِه؛ مِن: عيادَةٍ وتَلقين وتَطهيرٍ وتَجْهيز إلى الله - تعالى -، على أحْسَن أحْواله وأفْضَلِها؛ فَيَقِفُون صُفُوفًا على جَنازَته يَحْمَدُون الله ويُثْنُون عليه ويُصَلُّون على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويَسْألون له المَغْفِرَة والرَّحْمَة والتَّجَاوُز ثُمَّ على قَبْرِه يَسألُون له التَّثْبِيت، ثُمَّ الزِيَارَة إلى قَبْرِه والدُّعاء له، كما يَتعَاهَد الحَيُّ صَاحِبَه في الدُّنيا، ثُمَّ الإحْسَان إلى أهْلِه وأقَارِبه، وغَيْرِ ذَلِك» [1] .
فهذه رِسَالَةٌ لخصتُها مِن كُتُبِ أهْلِ العِلْم، في أحْكَام الجَنائِز بأُسْلُوبٍ سَهْل مُيَسَّر. وحاولتُ أن أجْمَع بين الجَانِب النَّظَرِي العِلْمِي مع الجَانِب العَمَلِي التَّطبِيقي، في التَّعَامُل مَعَ
(1) «زاد المعاد» (1/ 498)