الرافضين) بل يأتي الرفض من داخل بنية الواقع ذاتها التي لم تعد صالحة للتطبيق، وكمثال على ذلك نجد في أحكام أهل الذمة نصوص لم تعد صالحة لهذا العصر كقول بعض الفقهاء (أن أهل الذمة يمنعون من ركوب الحمر النفيسة) !!، ومقابل هذا فإن استخدام أدوات وقوالب معاصرة ونفي وجودها في الإسلام كدليل على نفي وجود نظام سياسي، يحقق للرافضين غرضهم من الرفض هو خطأ كذلك، في المقدمات والنتائج إذ يعتمد هؤلاء أما على مقارنة خاطئة لتطبيقات مشابهة كالزعم بأن الشورى مناقضة للديمقراطية - مثلًا - لعدم وجود نظام انتخابي في الإسلام، أو لأن الشورى في الإسلام هي ملهمة وليست ملزمه كما هي في النظم السياسية المعاصرة، أو القول بأن الإسلام لم يعرف النظام السياسي لأنه لم يعرف الدستور المتفق عليه، وأن القول بدستورية القرآن الكريم هو قول لا يمكن تطبيقه في الوقت المعاصر لوجود دساتير مكتوبة ومتفق عليها، ولذلك نجد عند هؤلاء الباحثين اهتمام واضح في القضايا (المشكلة) في النظام السياسي الإسلامي وليس في القواعد العامة التي يمكن أن تخرج المسألة من (المشكلة) إلى (الحل) - إن محاولة كهذه هي دفع للنظام الإسلامي السياسي للتحول إلى صورة من الأنظمة الأخرى وتفريغه من مضمونه الديني (الشرعي) الذي يميزه عن غيره، أو فصل هذه الجانب من الإسلام (فيما يسمى بالإسلام السياسي) عن بقية الجوانب والتعامل معه معاملة أخرى تختلف عن بقية الجوانب كالجانب العقدي أو العبادي أو الأخلاقي التي لا تجد مثل هذا الرفض بل نجد الاهتمام والعناية بها وفي كلا الحالتين يتحقق الهدف المطلوب وهو القول بعدم وجود نظام سياسي إسلامي. إن فهم هذا النظام لا يمكن أن يتم إلا بفهم شمولي للإسلام، فالأحكام السياسية الإسلامية وإن كانت قائمة على القواعد العامة دون تفصيلاتها إلا أنها مرتبطة بالجوانب الأخرى ارتباطًا مباشرة إذ أن ذات النصوص والأحكام والقواعد العامة التي تحكم جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق، هي ذاتها التي تحكم المعاملات والسياسة لأن مرجعيتها واحدة وهي الكتاب والسنة النبوية، وإذا كانت جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق قد شملتها الأحكام التفصيلية أكثر من المعاملات والسياسة فلأن الأولى أكثر استقرارًا وثباتًا من الأخرى (وخاصة السياسة) التي من طبيعتها التغير والتبدل داخل الإطار الأوسع وهو القواعد العامة.
وإذا تبين موقع السياسة في النظام الإسلامي الشامل نجد أن من الصعوبة مقارنته بأنظمة أخرى يمكن اجتزائها وفصلها عن سياق المجتمع، إذ لا يمنع النظام العلماني - مثلا - أن تكون السياسة ملتزمة بالديمقراطية في مجتمع لا ديني أو مجتمع لا تأثير للدين فيه، بل يمكن الفصل بين السياسة والحياة بمجملها بحيث تحكم السياسة ضوابط ومبادئ ليست هي الضوابط والمبادئ ذاتها التي تضبط المجتمع، فعلاقة السياسة - مثلا - بالأخلاق في المجتمعات غير الإسلامية هي علاقة واهية إذ تغلب المصلحة على السياسة أكثر من غلبة الأخلاق بينما يكون للأخلاق شأن أوسع في معاملات