السياسة و الدين
بين المبادئ والتاريخ
شهدت العقود المتأخرة نقاشًا واسعًا حول علاقة الدين بالسياسة، ومدى تأثر كل منها بالآخر، وإذا كان هذا النقاش تجدد ما بعد سقوط الخلافة العثمانية في العشرينات من القرن الماضي، إلا أن قرب العهد بنظام حمل اسم"الخلافة الإسلامية"حصر الحوار في صورة هذا النظام الإسلامي وهل هو خلافة أم صورة أخرى، بل إن سقوط الخلافة العثمانية دفع بكثير من المفكرين المسلمين إلى إعادة صياغة رؤيتهم للنظام السياسي الإسلامي في محاولة لاستدراك ما أدى إليه سقوط الخلافة، ونشأت من أثر ذلك اتجاهات فكرية كما نشأت جماعات وحركات تعمل لإعادة النظام السياسي الإسلامي إلى الصدارة مرة أخرى، لكن مع طغيان المد القومي منذ ثلاثينات القرن الماضي وسيطرة الدولة الوطنية التي حملت شعارات مختلفة ترددت بين القومية والاشتراكية والإسلامية، ومع تراجع الفكر الإسلامي خلال ذلك المرحلة ـ كل ذلك ـ دفع بالحديث عن النظام السياسي الإسلامي إلى المقاعد الخلفية من الاهتمام ليعود مرة أخرى بعد عودة الروح إلى النشاط الإسلامي بصفة عامة، حيث أصبحت التيارات الإسلامية والاتجاهات الفكرية الإسلامية حاضرة على الساحة المحلية والدولية، مما أدى للإهتمام بها وإعادة طرح الأفكار التي حملتها خلال مسيرتها التاريخية، لكن إعادة الطرح جاءت بصورة تختلف عما كانت عليه عند بداية القرن الماضي إذ لم تعد المرحلة التاريخية تفرض نفسها على الساحة السياسية والفكرية، بل برزت قضايا جديدة حول النظام السياسي الإسلامي، وحتى الحضور الإسلامي الذي أصبح واضحًا ومؤثرًا في الحياة العامة، و يتم طرحه كبديل لكثير من الأوضاع القائمة ولكن بأساليب تتناسب مع معطيات العصر وآلياته.
وإذا كان الحضور الإسلامي بكافة صوره الرسمية والشعبية والفكرية يمثل حالة أخذت في الاتساع والزيادة، فإن المواجهة التي يتلقاها هذا الحضور تزداد حدّة ـ خاصة ـ في ظل الأحداث التي مر بها العالم خلال السنوات الأخيرة، ووضعت"الفعل"الإسلامي في مقدمة الاهتمام.
منذ ذلك الحين خضعت الاتجاهات والحركات والأفكار الإسلامية بل والإسلام ذاته إلى مزيد من النقد والتحليل والهجوم والقبول والرفض بل والعدوانية العملية والفكرية، إلا أن ذلك لم يخل من فائدة دفعت بأصحاب الفكر الإسلامي إلى دراسة أفكارهم وإعادة صياغتها وفقًا للأصول الإسلامية والمتغيرات والمستجدات الحديثة التي يمرون بها، ولعل من أكثر القضايا نقاشًا وتجاذبًا هي قضية