الفقهاء والكتاب، إلا أن ذلك لا يقارن بما كتب في أبواب الفقه الأخرى كما لا يقارن بما كتب في العصور المتأخرة حول النظام السياسي في الإسلام، حيث شهد ـ هذا ـ الميدان من الدراسات ألإسلامية إهتمامًا واضحا من الفقهاء والباحثين والدارسين، ومع هذا فلم تتبلور تلك الكتابات في مشروع فكري يحدد معالم هذا النظام برؤية معاصرة وقابلة للتطبيق، فالخلاف حول المشاركة السياسية بين رافض وموافق ومشترط، وحكم دخول البرلمانات والمجالس النيابية، ومشروعية دخول المرأة للحقل السياسي، والعلاقة مع الآخر، سواء كان الآخر القريب داخل في المجتمع الإسلامي أم الآخر البعيد عنه، كل ذلك وغيره من المسائل، مازالت مثار خلاف وجدال وحوار بين الباحثين والمجتهدين ورجال الفكر والسياسة داخل المجتمعات الإسلامية، وإذا كانت بعض القوى والتيارات الإسلامية قد حسمت أمرها في مثل هذه القضايا إلا أن غيرها مازال مشتبكًا معها دون حسم مما يتطلب دراسة وبحث واجتهاد جديد.
وإذا كانت هذه المشكلات تعيق الرؤية نحو النظام السياسي الإسلامي المعاصر، فإن هذا النظام مازال مثقلًا بإرث تاريخي يمنعه من التحرك والانطلاق ويجد من مسيرته نحو التطبيق المعاصر، فقد ارتبط النظام السياسي في حياة البشرية، بالتاريخ أكثر مما ارتبط بالنصوص، وليس ذلك حكرًا على دين دون آخر، أو ملة دون غيرها، أو شعب دون سواء، بل هو نسق عام شمل مختلف الأزمنة والدول والبيئات.
والنظام السياسي الإسلامي واحد من هذه الأنظمة التي ارتبط بالتاريخ كثير إلا أنه يختلف عن غيره من الأنظمة بمرجعيته الشرعية أو (الدينية) الثابتة والمستقر - مما يحفظ له ديمومته واستمراره كما يحفظ له ملائمته للأزمنة والأمكنة والبيئات بقدرته على المحافظة على ثوابته والتطور في متغيراته.
ومع هذا فإن الباحث في النظام السياسي الإسلامي يجد غلبة"التأريخية"عليه أكثر من غلبة"الشرعية"أو"الدينية"مما يتطلب معالجة جوانب هذه"الغلبة"والعودة بهذا النظام إلى نسقه الطبيعي الذي يجمع بين أصوله وفروعه.
إذا كان الفقهاء المعاصرون للشيخ علي عبد الرازق، أمثال الشيخ محمد الخضر حسنين، شيخ الأزهر، والشيخ محمد بخيت المطيعني مفتي الديار المصرية، وغيرهم قد ردوا على الشيخ علي عبد الرزاق في كتابه الإسلام وأصول الحكم، فإن الواقع المعاصر قد تجاوز الخلاف حول الدين أو الإسلام والسياسة، إذا أصبح الأمر أوسع من أن يحصر أو يتجاهل فعلاقة الإسلام والسياسة علاقة