وهكذا نجد أن التأصيل التاريخي يشير إلى أن الفقهاء الأوائل قد أكدوا على وجوب وجود نظام إسلامي سياسي، بل إن بعضهم كان يبحث في تفاصيل هذا النظام، ومدى وجوب نصب الإمام (الحاكم) من عدمه، وكذلك شروطه واختصاصه وعزله، وغيرها من الأحكام المتعلقة بـ (شخص) الحاكم، بل إن بعضهم قد تجاوز البحث عن فكرة هل في الإسلام نظام سياسي لأنه اعتبر ذلك من القضايا المسلمة التي لا خلاف عليها، وإنما الخلاف في التفاصيل التي تلي ذلك، ولذا وجدنا أن ابن تيميه -مثلًا - يضع فصل (وجوب اتخاذ الإمارة) في آخر كتابه (السياسة الشرعية) بعد أن بحث في تفاصيل هذه (الإمارة) نظام الحكم، وكأنه بذلك يشير إلى أن هذه القضية لا يجب أن تتصدر البحث لأنها قضية مسلمه!!.
بل إن بعض الفقهاء انشغل بتفاصيل النظام ذاته كالبحث في الشورى وأحكام الولاية والوزارة والقضاء، وهي ما يطلق عليه اليوم السلطات الثلاث (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية) .
لكن في العصور المتأخرة أُعيد طرح الأمر، أي هل هناك سياسة في الإسلام، وكأن الأمر حادث مستجد، لا راسخ مستمد، ولذا ثار جدل واسع بين الباحثين والفقهاء، خاصة مع الحملة التي يشنها لمعارضون للقول بوجود نظام إسلامي سياسي حيث طرحت على أرض الواقع نماذج مختلفة من أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية، شط بعضها عن الاقتراب من الإسلام فتبنى الفكر الشيوعي أو المادي الملحد الذي لا يرى للدين دور في الحياة عدا أن يكون في السياسة، وتراوحت نماذج أخرى إلى تبني صورة العلمانية كنظام للحياة بما فيها الجانب السياسي، فأعلنها صراحة، بينما مارسها لبعض ممارسة مخفية، وفي كلا الأمرين لم يرفض الإسلام كدين لكنه رفض كنظام حاكم للسياسة والشأن العام في تلك الدول.
وقد قام الرفض لفكرة السياسة في الإسلام على أساس عدم وجود نصوص محددة لذلك الأمر أو على أساس عدم ملائمة النظام السياسي للإسلام للواقع، بينما ذهب البعض إلى طرح تفصيلات داخل فكرة النظام باعتبارها معوق لتطبيقه أو غير قابلة للتطبيق فأثيرت مشكلات عدة يرجع معظمها إلى التاريخ أكثر مما يرجع للفقه أو للأحكام المرتبطة بالنظام السياسي الإسلامي، ولعل من أبرز هذه الحالات:-
كما أشرنا فإن مسألة وجود فكرة السياسة في الإسلام أصبحت أمرًا واقعًا إلا أن التساؤل الذي يطرحه البعض هو: أين موقع ذلك"الوجود"من التراث الإسلامي الكبير الذي تركه لنا الفقهاء؟