فهذا التراث لا يتناسب مع العصر، كما أنه لا يناسب القوالب المطبقة حاليًا من أنظمة ومؤسسات وقوانين تجاوزت ما كان عليه المسلمون في العهود السابقة؟!
إن من الخطأ التعامل مع النظام السياسي الإسلامي في أحكامه أو تطبيقاته كما يتم التعامل مع الأحكام الفقهية الأخرى التي تمتلئ بها أبواب الفقه الإسلامي، فمن حيث التأصيل، فإن أحكام السياسة في الإسلام هي من الأحكام العامة التي لا تعتمد على الأحكام التفصيلية وإنما تعتمد على القواعد العامة، أو ما يسمى في لغة القانون بـ (القانون العام) .
يقول الدكتور السنهوري في رسالته حول فقه الخلافة:"تدخل أحكام الخلافة (نظام الحكومة) بطبيعتها في نطاق علم الفروع - وعلى وجه التحديد في شق المتعلق بالقانون العام (والقانون الدستوري) رغم أن الفقهاء يعتبرونها من مباحث علم الكلام."
ونحن لا نشك في وجود (قانون عام) في الفقه الإسلامي، وإن كان فقهاؤنا لم يستعملوا هذه المصطلحات ولم يقروا بوضوح التفرقة الموجودة في القوانين الحديثة بين القانون العام والقانون الخاص، بل ساروا على بحث المسائل المتعلقة بهذين الفرعين معًا دون تمييز كل منهما عن الآخر فنجدهم يدرسون العقود مع الحدود إلى جانب الإدارة ونظام القضاء والولايات (ومن بينها ولاية الحكم ونظام الحكومة) ، لذلك فإن تحديد نطاق (القانون العام) في الفقه الإسلامي واستنباط قواعد التنظيم الدستوري أو الإداري، أو الدولي، على أسس مستقلة ومتميزة عن القانون الخاص، مهمة شاقة وعسيرة لأنها محاولة جديدة على الفقه الإسلامي.
وهناك عامل آخر يزيد من صعوبة هذه المهمة هو أن مسائل القانون العام لم تحظ من الفقهاء المسلمين في العصور السابقة بنفس العناية التي بذلوها لمسائل القانون الخاص" (9) ."
ومن هنا فإن من الخطأ البحث في الفقه الإسلامي عن جوانب السياسة بصورتها التفصيلية القديمة منها والمعاصرة، وهذا ما وقع فيه كثير من الباحثين المسلمين وغيرهم، المقتنعين بفكرة النظام السياسي الإسلامي والرافض لها حين استخدموا قوالب وأدوات محددة للبحث في هذا الشأن فغلب عليهم التاريخ أكثر من غلبة الفقه، إذ أن معظم ما تم استخلاصه من النظام السياسي الإسلامي هو وقائع تاريخية يمكن موافقتها للقاعدة الشرعية العامة (التي هي الأصل في أحكام السياسة) ويمكن مخالفتها، وهذا ما ذهب إليه بعض الباحثين المسلمين حين اعتمد على التاريخ وجعل أفعال الخلفاء والحكام والسلاطين بمنزلة الحكم الشرعي أو الأصل في المسألة على الرغم من مخالفة ذلك للقواعد الإسلامية العامة، ويبدوا الحرج الأكبر عند محاولة إنزال هذه الوقائع (الأحكام) التاريخية منزلة التطبيق العملي المعاصر، إذ لا يأتي الرفض من خارج هذه الوقائع باعتبارها إسلامية فقط (لدى