أمراء عصرهم إلى أن يستحدثوا (قوانين سياسية) بمعزل عن الشرع، وحمل ابن القيم الفقهاء الجامدين تبعة انحراف الأمراء والحكام، وشرودهم عن منهج الشريعة السمحة. وربما يعتبر هذا أول تسلسل للقوانين الوضعية لتحل محل أحكام الشريعة الإسلامية.
ما زال لهؤلاء الجامدين من أهل الفقه أخلاف في عصرنا، يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري ولكنهم يفكرون بعقول علماء ماتوا من قرون، وقد تغير كل شيء تقريبا في الحياة عما كان عليه الحال في عهود أولئك العملاء. ونسي هؤلاء أن الإمام الشافعي غير مذهبه في مدة وجيزة، فكان له مذهب جديد، ومذهب قديم. وأن أصحاب أبي حنيفة خالفوه في أكثر من ثلث المذهب، لاختلاف عصرهم عن عصره، وقالوا: لو رأى صاحبنا ما رأينا، لقال بمثل ما قلنا أو أكثر ... والإمام أحمد تُروَى عنه في المسألة الواحدة روايات قد تبلغ سبعًا، أو أكثر وما ذلك إلا لاختلاف الأحوال والملابسات، وتغير الظروف والأوضاع في غالب الأحيان" (1) ."
وجاء الرفض ـ الثاني ـ من تيار آخر من المسلمين لا يرى إمكانية العمل بالنظام الإسلامي في ظل الأوضاع القائمة لأنها - كما يراها - غير إسلامية ومخالفة"بجملتها"للإسلام، ولا يمكن بهذه الحالة طرح جانب من الإسلام (أي النظام السياسي) للتطبيق في بيئة غير صالحة له، ولذا فهو يعمل على تغيير الواقع ـ بجملته ـ ليكون مهيئًا لتطبيق النظام السياسي الإسلامي، وأخذ هؤلاء طريقًا أخر اتسم بالقوة والعنف والتشدد في تعاملهم مع الواقع الذي يعيشونه في بلاد الإسلام، ولم يهتموا ببحث أي جانب جزئي من الإسلام قبل تغيير الواقع كما يرون.
و لذا فإن كلًا من الطرفين لا يعطيان أهمية للعمل السياسي الإسلامي، بل يدعوا إلى نبذ ذلك والابتعاد عنه سواء كان ذلك زهدًا أم انتظارًا للتغيير.
وبين الطرفين يبرز تيار إسلامي واسع تزداد مساحة تأثيره يومًا بعد يوم يدعوا لولوج الشأن العام والعمل في الجانب السياسي وطرح البديل الإسلامي بالطرق السليمة ومن خلال التعامل مع الواقع لا بقبوله أو رفضه، ولكن بإصلاحه وتطويره وصولًا إلى الرؤية الإسلامية في كافة جوانب الحياة ومن بينها الجانب السياسي.
إن البحث في النظام السياسي الإسلامي لم يأخذ مكانًا واضحً متميزًا في كتب التراث وخاصة كتب الفقه، حيث توزعت أحكامه في أبواب كثيرة من كتب الحديث والفقه، و لم يحظ إلا بالقليل من الكتابات المتخصصة، مثلما وجدنا في كتابي"الأحكام السلطانية"للماوردي، ولأبي يعلى الفراء، والغياثي لإمام الحرمين، والإمامة والسياسة المعروف بـ"تاريخ الخلفاء"لابن قتيبه الدينوري وكتاب مآثر الأنافة، في معالم الخلافة، للقلقشندي، وكتاب السياسة الشرعية لابن تيمية، وغيرهم من