وفى النهاية، فإن بلوغ التوجهات الاستراتيجية السابقة غاياتها في مكافحة البطالة يتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدى في البنية الاقتصادية والسياسة تشمل زيادة كفاءة سوق العمل في سياق تدعيم تنافسية الأسواق عامة وضبط نشاطها، في إطار من سيادة القانون التامة واستقلال للقضاء غير منقوص، وإصلاح الخدمة الحكومية، وإقامة نظم فعالة للأمان الاجتماعى، وإصلاح نظم الحكم لتصبح معبرة عن الناس بشفافية ومسؤولة أمامهم بفعالية، ولتمكن من تقوية مؤسسات المجتمع المدنى الجماهيرية بحق، حتى يصبح لعموم الناس، وللفقراء خاصة، صوت مسموع في الشأن العام.
مكافحة البطالة إذًا، كما ألمحنا سابقًا، ليست شأنًا قطاعيًا، بل هم مجتمعى شامل. والواقع أن هذا هو حال كل القضايا المهمة في مصر حاليًا. فقد صار الحل الجذرى الشامل حتميًا، إن أُريد حل ناجع على الإطلاق.
وبديهى أن مكافحة البطالة تقتضى رفع وتيرة النمو الاقتصادى. ويطلب ذلك، بدايةً، زيادة معدلات الادخار والاستثمار. فالادخار المحلى ضعيف بداية، في مجتمعات مازالت غالبية سكانها عاجزة عن الوفاء بحاجاتها الأساسية على مستوى مقبول، على حين ينعم مترفوها، وهم قلة قليلة، بأنماط استهلاك بذخية دونما مسؤولية اجتماعية. ومكون الاستثمار الأجنبى لا يتوافر، حتى الآن، بالقدر الكافى ليكمل الاستثمار المحلى إلى المستوى الكفيل، تلقائيًا، بخلق فرص العمل الكافية، ناهيك عن المحاذير القوية المحيطة بكم كبير من الاستثمارات الأجنبية، في مجتمعات ذات بنى سياسية هشة وتابعة.
وإن كان مستوى النمو الاقتصادى محدد مهم لإمكان خلق فرص العمل المطلوبة لمكافحة البطالة، فإن محتوى النمو هو المحدد الأهم في منظور إشباع الحاجات الأساسية، وعلى رأسها العمل المنتج المحقق للذات.