ولكن، من ناحية أخرى، يجب أن يكون جليًا للجميع أن مشكلة البطالة في مصر ضخمة، وعميقة الجذور في النسيج الاقتصادى والاجتماعى للبلد بحيث تستعصى على"الحلول السريعة"ذات الطابع"الفنى". بعبارة أخرى، لن يمكن التوصل لحل ناجع لمشكلة البطالة في مصر، خاصة في منظور التشغيل الكامل، إلا من خلال برنامج استراتيجى، متعدد الأبعاد، ومحكمها، طويل الأجل تقوم عليه دولة (وليس مجرد حكومة) فعالة. ولعل هذا هو حال جميع المشكلات الكبرى التى تواجهها مصر الآن، وكلها متفاعلة كما سيظهر من حزمة السياسات المقترحة، فلم يعد رتق الفتوق أو الحلول الجزئية المتناثرة بكاف لتحقيق أثر ملموس على المشكلات الكبار. ولذلك قد يدهش البعض أن تنتهى هذه الورقة الموجزة بحزمة من السياسات المقترحة تتعدى بكثير حدود التفكير"الفنى"فى حلول مشكلة مثل البطالة في مصر.
بداية، يقوم علاج مختلف صنوف البطالة على إيجاد فرص عمل كافية، يوظف فيها العاملون قدراتهم لأقصى حد، بما يحقق كفاءة إنتاجية عالية، ومتزايدة، من ناحية، ويوفر كسبًا مرتفعًا، ومتناميًا، يكفل إشباع الحاجات الأساسية للناس في المجتمع، وارتقاء مستوى الرفاه البشرى مع الزمن، من ناحية أخرى.
ويعنى هذا الهدف المركب خلق فرص عمل أفضل من المتاح حاليًا، على جانبي الإنتاجية والكسب على حد سواء، وأكثر بكثير من المطلوب لمجرد مواجهة البطالة السافرة، بحيث يمكن للمشتغلين فعلًا في أى نقطة زمنية الانتقال لأعمال أعلى إنتاجية وأوفر كسبًا.
ومن جانب آخر يتعين الارتقاء بنوعية رأس المال البشرى، من خلال الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب المستمرين وفى الرعاية الصحية، مع إيلاء عناية خاصة للمستضعفين، الفقراء والنساء، حتى يتأهل الأفراد في سوق العمل لفرص العمل الأفضل. وهذه مهمة تاريخية ليس لها إلا الدولة، وعلى حد وفائها بهذه المهمة سيتحدد مدى خدمتها لغاية التقدم.