على تلك العيادات، الأمر الذي حمل وأعان الرقاة على التفرغ والاحتراف والامتهان لهذا الأمر، لما صاحبه من التكسب سواءٌ بأخذ الأموال على مجرد القراءة، أم بما كان بسبب بيع المياه والزيوت وعسل النحل وغيرها مما سبق لهم القراءة عليه، فاستغنوا بذلك عن الوظائف والأعمال الأخرى.
إن هذا الواقع قد فتح أو كان سببًا وبابًا عظيمًا من أبواب الشر والفساد والفتنة التي أفسدت العقائد والأديان، وربما الحياة والدنيا والأبدان.
وإن أعظم هذه الفتن والشرور؛ تعلق المرضى والمحتاجين - من العامة، ممن لا يميزون بين الحق والباطلن، ولا بين السني والبدعي، ولا هم لهم إلا ما هم فيه من أوهام وأمراض - بغير الله، خاصة فيمن يكثر الزحام عليه - من الرقاة - مع مدح الناس له، وانتفاع بعضهم، أو حصول منفعة للبعض وقت القراءة عليهم، فيظن أنها بسبب القراءة، والحقيقة أنها مما قدرها الله تعالى لهم في هذا الوقت، مما أدى إلى الغلو في ذلك القارئ، ولربما عاد الشر والفساد على القارئ نفسه إذا رأى ازدحام الناس عليه، وسمع عن انتفاع البعض بعد زيارته له، أو بما يتلفظ به بعض الجن والشياطين على لسان من به مس أو صرع، فيعلن خوفه وفزعه من هذا القارئ صادقًا أو كاذبًا.
ولا ريب أن في هذا كله فسادًا للقلب، وانحرافًا عن الاعتقاد الصحيح، وسببًا للافتتان وحصول العجب في نفسه أو من قبل غيره، وهذا باب هلاك وفساد، والأصل في شرع الله؛ سد الذرائع ودرء المفاسد، وتقديمها على جلب المنافع وإن كانت متحققة، فضلًا عن أن تكون مظنونة.
ولله در عمر بن الخطاب حينما قال لأبي ذر - لما رأى جماعة من أتباعه: «أما علمت أنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع» . وهنا والله نقول: إنها فتنة للقارئ الراقي، وفساد اعتقاد ومنافاة كمال التوحيد في المرقي. وإن قصص السلف في حب الخمول والهروب من