الصفحة 12 من 77

ويرى الإمام ابن تيمية أن كل ما قاله رسول الله - بعد نبوته وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع، لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة. ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرع لاستحبابه فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أم مستحب أم واجب ثم يقول: « .. وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار، فقد يحصل أحيانًا للإنسان إذا استمر المرض ما إن لم يتعالج معه مات والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف، وكاستخراج الدم أحيانًا [1]

ويرى الإمام ابن القيم أن الأحاديث النبوية في مسألة التداوي قد تضمنت إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: (لكل داء دواء) ، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي - الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي - البرء بموافقة الداء الدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصد عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرًا، ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحًا لذلك

(1) مجموعة الفتاوى، ج 18 ص 11 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت