لا علم إلا منه، كما قالت الملائكة لله عز وجل: (( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) ) [1] .
وأما الأمر بالتداوي فالدليل عليه قول رسول الله - للأعراب: (تداوو) . وقوله عليه الصلاة والسلام: (تداووا ولا تداووا بحرام) [2] ، وهذا أمر، والأمر في إطلاقه يفيد الوجوب، ولا يستثنى منه إلا ما كان محرمًا. وما كان يأمر به رسول الله - من التداوي كان يفعله بنفسه؛ فقد ورد في مسند الإمام أحمد أن عروة كان يقول لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - يا أمتاه لا أعجب من فهمك أقول: زوجة رسول الله - وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقال: «أي عريّة، إن رسول الله - كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فكانت تنعت له الأنعات وكانت أعالجها له فمن ثم» [3] .
وقد احتجم عليه الصلاة والسلام فأمر بالحجامة وقال: (شفاء أمتي في ثلاث: ... شرطة محجم) [4] .
واستدل الفقهاء بهذه الأحاديث على جواز التداوي أحيانًا ووجوبه أحيانًا أخرى. ففي مذهب الإمام أبي حنيفة القول بهذا الجواز، بل إن من أصحاب المذهب من أجاز التداوي بالمحرم كدواء العين بلبن البنت إذا علم فيه الشفاء، ولم يوجد دواء غيره .. وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول، والدم، والميتة، للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاءه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. أما إن قال الطبيب يتعجل به شفاؤك فيه وجهان، وهل يجوز شرب العليل من الخمر للتداوي ففيه وجهان. وقد ذكره الإمام التمرتاشي وكذا في الذخيرة: «وما قيل إن الاستشفاء بالحرام حرام غير مجري على إطلاقه وأن الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إن علم وليس له دواء غيره يجوز، ومعنى قول ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم يحتمل أن يكون قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة فلا يكون الشفاء بالحرام وإنما يكون بالحلال» [5] .
وفي مذهب الإمام مالك أن التداوي مما لا بأس به وأن ذلك لا ينافي التوكل؛ لأن النبي - كان على غاية التوكل وكان يستعد للحرب وقال لصاحب الناقة: (اعقلها وتوكل) ، ويجوز التعالج بكل ما يراه العالم بالطب نافعًا ومناسبًا لصاحب المرض من الأسماء وهذا خاص بالعلاج الحلال، أما المحرم فلا، أي لا يجوز التداوي بالخمر إلا ما قام الدليل عليه، مثل أن يدفع بها غصته أو عطشًا [6] .
وعند الإمام الشافعي أن العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان [7] . وذكر الجمل في حاشيته أنه لو قطع بإفادته كعصب محل الفصد وجب، وقال: ويجوز الاعتماد على
(1) سورة البقرة من الآية 32.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، سنن أبي داود، ج 4 ص 7، برقم (3874) .
(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج 6 ص 67.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، فتح الباري، ج 10 ص 143 برقم (568) .
(5) حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار في فقه الإمام أبي حنيفة، ج 5 ص 71، 228.
(6) الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، ج 2 ص 368 - 369.
(7) ذكره السيوطي في أوائل كتابه الطب النبوي كما قال العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس، ج 2 ص 89.