فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 86

ثانيًا: أن العرب قد أخذت خطها من ملوك مدين الذين كانوا من العرب العاربة.

يقول ابن النديم: >اختلف الناس في أول من وضع الخط العربي. فقال هشام الكلبي: أول من وضع ذلك، قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن إد، وأسماؤهم: أبو جاد، هوز، حطي، كلمون، سعفص، قريسّات، هذا من خط ابن الكوفي بهذا الشكل والإعراب وضعوا الكتاب على أسمائهم. ثم وجدوا بعد ذلك حروفًا ليست من أسمائهم وهي: الثاء والخاء والذال والظاء والشين والغين، فسموها الروادف. قال: وهؤلاء ملوك مدين، وكان مهلكهم يوم الظلة في زمن شعيب عليه السلام. قرأت بخط ابن أبي سعد على هذه الصورة وبهذا الإعراب: أبجاد، هوز، حاطي، كلمون، صاع، فض، قرست. قالوا هم الجبلة الآخرة. وكانوا نزولًا في عدنان بن إدد. وأشباهه، فلما استعربوا وضعوا الكتاب العربي. واللّه أعلم" (19) .

وهذا الرأي غير مستقيم كذلك، ولا يقبله المنطق السليم: >وليس أدل على الخرافة في هذا الرأي من أن صاحبها قد أخذ الترتيب الأبجدي للحروف وجعله أسماءً لملوك من العرب العاربة. زاعمًا بأنهم كانوا في مدين، وأنهم هم الذين وضعوا الخط العربي. كما أنها تدل أيضًا على أن الخط العربي كان يكتب في نشأته بالتنقيط، وهذا يخالف الواقع" (20) .

يقول الدكتور أنيس فريحة: > ... إن هذه الأسماء ليس لها مسميات، هي ترتيب حروف الهجاء الآرامية القديمة بشكل يسهل على الصغار حفظها. فالحروف الآرامية ـ وعددها اثنان وعشرون ـ قد جمعت بحسب ترتيبها في كلمات ـ أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرست ـ. وذلك بغية حفظها على هذا الترتيب، لأنها كانت تستخدم أيضًا للأرقام قبل اقتباس الأرقام الهندية ـ المعروفة بالعربية الآن ـ" (21) .

ومما يدل على أن هذه الأسماء لا علاقة لها بنشأة الخط العربي، وأنها جاءت من قصص شعبية كانت منتشرةً بين الناس وبصيغ مختلفة، ما ينقله الإمام الطبري في تاريخه عند حديثه عن الأيام الستة التي خلق اللّه فيها السماوات والأرض، حيث يقول: >وقيل: إن اسم أحد تلك الأيام الستة: أبجد، واسم الآخر: هوّز، واسم الثالث منهن حطي، واسم الرابع منهن: كلمنْ، واسم الخامس منهن: سعفص، واسم السادس منهن: قرست" (22) .

وهذا الرأي وإن بات غير مقبول عند الباحثين المعاصرين، إلا أنه يدل على أن العرب قد أخذت خطها من الأنحاء الشمالية واقتطعه من كتابة شعب كان يسكن في مدين وما يجاورها من الأنحاء الشمالية للبلاد العربية.

وهذه الكتابة عرفت فيما بعد ولا سيما في القرن التاسع عشر الميلادي، بأنها الكتابة النبطية، وذلك بجهود المستشرقين الذين قاموا برحلات علمية إلى تلك الأرجاء، فعثروا على نقوش وكتابات تحمل اسم جماعة تعرف بالنبط كانت تسكن في مدين وما يجاورها من الأنحاء الشمالية للبلاد العربية. وأول من عثر من المستشرقين على نقوش نبطية، المستشرق John Lewis Burkhardt وذلك في سنة 1882 م (23) .

ويضاف إلى ما سبق أنه: >ليس هناك ما ينفي أن تكون الكتابة العربية قد دخلت الحجاز من الأنحاء الشمالية مباشرةً، خاصةً أن العديد من الكتابات النبطية جاءت من الإقليم الشمالي لبلاد الحجاز، من الحجر ـ مدائن صالح ـ والعلا وتيماء، هذا إضافةً إلى الاتصال التجاري المستمر بين أهل الحجاز وبلاد الشام. فارتباط الحجاز بالطرف الجنوبي من بلاد الأنباط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت