فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )) -يونس: 94 - . و الشاهد هنا هو أنه لو كان رسول الله -عليه الصلاة و السلام- يعرف القراءة، ما قال له الله تعالى: (( فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ) )،و إنما يأمره بأن يقرأ بنفسه ما عند أهل الكتاب، ليتحقق من صحة نبوته. و القراءة بنفسه أوثق و أصدق من أن يسأل أهل الكتاب الذين ربما لا يُصدقونه القول. و بما أنه لم يأمره بذلك دلّ هذا على أن رسول الله ما كان يعرف القراءة و الكتابة.
و قد توصل الجابري من تأويله لتلك الآيات و تحريفه لها إلى عدة نتائج، هي أن معنى الأميين في القرآن هم العرب الذين ليس لهم كتاب مُنزل، مقابل اليهود و النصارى الذين لهم كتاب مُنزل. و أن معنى النبي الأمي هو أنه من أمة ليس لها كتاب مُنزل، و ليس أن لا يقرأ و لا يكتب. و أن وصفه بأنه النبي الأمي لا يعني بالضرورة أنه لم يكن يعرف القراءة و الكتابة. كما أن وصف القرآن للعرب بأنهم أميون لا يُفيد بالضرورة أنهم كانوا لا يقرؤون و لا يكتبون. و أنه ليس في القرآن ما يدل على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يجهل القراءة و الكتابة. ثم قرر في النهاية و بصراحة أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- كان يعرف القراءة و الكتابة [1] ... .
و قد سبق أن بيّنا بطلان ما ذهب إليه الجابري، و تتبعنا تأويلاته التحريفية للآيات التي احتج بها، و بيّنا فساد ذلك آية آية. لكننا هنا نزيد الأمر وضوحا و إثراء و إبطالا لما ذهب إليه الجابري. أولا إن القرآن الكريم قد حدد معنى أمي، و أميين بدقة و وضوح، حسب استعماله لعبارتي الأمي و الأميين، و حسب سياق ورودها في القرآن نفسه. فقد سبق أن بينا معنى أمي، و أميين في القرآن الكريم، و تبيّن أن عبارتي أمي و أميين لهما معني واحد أصيل هو الجهل بالقراءة و الكتابة، لكنه قد يضيق و يتسع حسب موقعه في الجملة و سياقه، و وروده في النص. فاليهود سموا غيرهم الأميين لأنهم يجهلون التوراة قراءة و كتابة، و العرب المشركون أميون لأنهم لا كتاب لهم يقرؤونه و يكتبونه و من جهة، و الغالب عليهم عدم القراءة و الكتابة من جهة أخرى. و القرآن الكريم وصف جماعة من اليهود بالأميين لأنهم كانوا يجهلون التوراة قراءة و كتابة و فهما؛ و وصف النبي -عليه الصلاة و السلام- بأنه أمي لأنه كان من قوم أميين لا كتاب لهم، و لا علم لهم به من جهة، و أنه كان لا يعرف القراءة و الكتابة من جهة أخرى، فهو أمي من جهتين.
و ثانيا إن زعمه بأن تلك الآيات لا تفيد بالضرورة أن النبي-عليه الصلاة و السلام- لم يكن يعرف القراءة و الكتابة، هو زعم باطل، و تأويل فاسد، خلافه عكسه هو الصحيح. لأنها في وصفها لرسول الله بالأمي، و أنه ما قرأ و لا كتب يُفيد بالضرورة بأنه كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة. و هذا خلاف وصفها
(1) نفس المرجع، ص: 82، 84، 93، 214.