الصفحة 69 من 157

حفظ آخر يتمثل في حفظ القرآن من كل أنواع التحريف البشري. فالآية إذًا دليل دامغ على بطلان التأويل التحريفي الذي قال به الجابري.

و ختاما لهذا المبحث يتبين منه أن الجابري قال بنوع من التحريف المتمثل في ضياع آيات من القرآن، معتمدا على روايات مكذوبة، و تأويلات تحريفية فاسدة، و استنتاجات خاطئة مغرضة. من دون أن يجمع روايات و يُمحصها و ينقدها لتمييز صحيحها من سقيمها. ثم بنى عليها أباطيل و خرافات، و تأويلات تحريفية للنصوص الشرعية، حتى انتهى به الأمر إلى القول بضياع شيء من القرآن الكريم. فتتبعنا أباطيله و تحريفاته، و بينا زيفها و تهافتها، و لله الحمد و المنة، و منه العون و السداد.

ثالثا: نقد موقف الجابري في نظرته إلى قصص القرآن الكريم:

اتخذ الباحث محمد عابد الجابري مواقف عديدة من قصص القرآن الكريم، بناها على أساس نظرته المذهبية إليها. فكان بعضها صحيحا، و بعضها الآخر غير صحيح، يتعلق بخصائص تلك القصص و أهدافها، و علاقتها بقصص التوراة.

فمن مواقفه غير الصحيحة- المتعلقة بالخصائص- أنه زعم أن الأصالة و الإبداع في قصص القرآن يكمنان في طريقة عرض القرآن لها [1] . و قوله هذا غير صحيح في معظمه، و ليس فيه من الصواب إلا القليل، و فيه إغفال كبير لخصائص قصص القرآن و أصالتها و إبداعها، و موقفه هذا يندرج ضمن طريقته التقزيمية التي مارسها في موقفه من قصص القرآن [2] .

و طريقة العرض التي أشار إليها الجابري، ما هي إلا جانب واحد من جوانب كثيرة تتعلق بأصالة قصص القرآن و إبداعاتها المتمثلة في خصائصها الكثيرة و المتنوعة، و المتعلقة بمختلف مظاهر الحياة البشرية في التاريخ القديم. إنه- أي الجابري- أغفل هذه الجوانب و قزّمها بمضمونها و غاياتها من جهة، و ضخّم طريقة العرض و جعلها أساس الأصالة و الإبداع في قصص القرآن من جهة أخرى.

و موقفه هذا ليس فيه من الصواب إلا القليل، لأنه قزّم خصائص قصص القرآن و جعلها في خاصية واحدة، ثم ضخّم هذه الأخيرة و حولها من حبة صغيرة إلى قبة كبيرة، و ضرب صفحا عن الخصائص الأخرى. و ردا عليه، و تأييدا لما ذكرته أذكر الخصائص الآتية:

إنها قصص قالها الله تعالى، و قصّها علينا بكلامه المقدس، و هي من أحسن القصص لقوله تعالى: (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ) )-يوسف: 3 - . فهي ليس قصصا عادية، و إنما هي قصص مقدسة لأن الله تعالى هو الذي حكاها لنا بكلامه المقدس. و هذا خلاف قصص التوراة و الأناجيل المحرفة، التي كتبها بشر أمثالنا بكلامهم و

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 423.

(2) سنأتي على ذكر مظاهر أخرى لهذا التقزيم الذي مارسه الجابري في موقفه من قصص القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت