ألفاظهم، فهي ليست كلاما إلهيا و لا مقدسا. فشتان بين من يقرأ قصة قصّها الله تعالى عليه، و بين من يقرأ قصة حكاها له بشر مثله!!.
و منها أيضا إنها قصص حقيقية واقعية صحيحة تتعلق بمواضيع متنوعة من حياة الإنسان، و قد وصفها الله تعالى بقوله: (( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) )- آل عمران: 62 - ، و (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ) )-يوسف: 3 - . إنها قصص حقيقية ليست أكاذيب، و لا خرافات و لا مستحيلات.
و منها إنها قصص مهيمنة على قصص أهل الكتاب، و تحمل إعجازا تاريخيا مذهلا، فهي مهيمنة على قصص التوراة و الأناجيل المحرفة، و معجزة لأنها قصص حقيقية صحيحة، ذكرت طائفة الأخبار لا وجود لها في الكتب الدينية و لا التاريخية القديمة من جهة، و أوردت أخبارا أخرى صحيحة، هي مذكورة في الكتب القديمة بطريقة مُحرّفة. فقصص القرآن مُعجزة بالضرورة لأنها أخبرت بأخبار صحيحة عن وقائع مجهولة، و لأنها أيضا صححت أخبارا وردت إلينا مُحرّفة [1] .
و منها إنها قصص واقعية تربوية حركية، تعرض حوادث تاريخية من أجل تغيير واقع الناس السيئ إلى واقع جديد يقوم على العبودية التامة لله تعالى، كقوله تعالى: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) )-الممتحنة: 4 - ، و (( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) )-يوسف: 111 - ، و (( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) )-آل عمران: 52 - .
و بذلك يتبين أن أصالة قصص القرآن الكريم ليست متمثلة في طريقة عرضها فقط، كما زعم الجابري، و إنما هي أيضا مُتمثلة أساسا في خصائص كثيرة ذكرنا طرفا منها على سبيل المثال لا الحصر.
و أما عن أهداف قصص القرآن، فإن الجابري يرى أن القصص التي ذكرها القرآن هي (( للذكر، أي للموعظة و العبرة ) )، هدفها (( هو ضرب المثل و استخلاص العبرة ) ). و الحقيقة التي تطرقها تلك القصص هي (( العبرة، هي الدرس الذي يجب استخلاصه ) ) [2] .
(1) هذا المجال من الإعجاز التاريخي ما يزال في بدايته، لكن ظهرت دراسات حديثة اهتمت بما جاء من قصص في القرآن، و بما اكتشفته الآثار و المخطوطات، ز و عن هذا الموضوع أنظر-مثلا-: الدكتور لؤي فتوحي، و شذى الدركزلي: التاريخ يشهد بعظمة القرآن، دار الحكمة، لندن.
(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 258، 259.