الصفحة 39 من 157

ابن السائب: لا يحسنون قراءة الكتاب و لا كتابته إلا أمانى إلا ما يحدثهم به علماؤهم. و قال أبو روق و أبو عبيدة: أي تلاوة و قراءة عن ظهر القلب، و لا يقرؤونها في الكتب. ففي هذا القول جعل الأماني التي هي التلاوة، تلاوة الأميين أنفسهم و في ذلك جعله ما يسمعونه من تلاوة علمائهم، و كلا القولين حق و الآية تعمهما فإنه سبحانه و تعالى قال: لا يعلمون الكتاب، و لم يقل: لا يقرؤون و لا يسمعون. و قال أيضا: (( أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة لا يفهمون معناها. و هذا يتناول من لا يحسن الكتابة و لا القراءة من قبل، و إنما يسمع أماني علما كما قال إبن السائب و يتناول من يقرأه عن ظهر قلبه و لا يقرأه من الكتاب كما قال أبو روق و أبو عبيدة ) ) [1] .

و بذلك يتبين أن الشيخ فسّر تلك الآية تفسيرا عاما يشمل طائفة من أهل الكتاب كانت لا تفهم الكتاب المنزل، إما لأنها لا تقرأ و لا تكتب و لا تفهم، و إما لأنها تقرأ و تكتب و لا تفهم، فالآية تشمل كل هؤلاء. و كلام الشيخ الأخير هو الذي أشار إليه الجابري و عبّر عنه بقوله: (( و هؤلاء و إن كانوا يكتبون و يقرؤون فهم أميون من أهل الكتاب ) )، و قد بناه على الوجه الذي يخص الذين يقرؤون الكتاب و يكتبونه و لا يفهمونه، فهم أميون مع معرفتهم للقراءة و الكتابة، كالصنف الأمي الآخر الذين لا يقرؤون و لا يكتبون و لا يفهمون. فالصنفان جمعتهما الآية تحت اسم الأميين، فعلة الأمية هنا إما من عدم معرفة القراءة و الكتابة، و إما من عدم الفهم. و هذا التفسير ينطبق على الآية التي فسّرها ابن تيمية. علما بأن الأمي عند ابن تيمية هو الذي لا يقرأ و لا يكتب، هو الذي ينطبق على النبي-عليه الصلاة و السلام، و هذا سبق بيانه و توثيقه آنفا.

و يُستنتج من ذلك أن الجابري لم يكن أمينا في نقله لكلام ابن تيمية، فمارس التحريف و التغليط و التدليس، و وجه كلامه توجيها يُؤيد رأيه الذي يقول به، على حساب الحقيقة. فالشيخ على خلاف أساسي معه، الذي نصّ صراحة على أن رسول الله كان لا يعرف القراءة و الكتابة، و هذا خلاف زعم الجابري.

و ختاما لهذا المبحث- أي الأول- يتبين جليا أننا تتبعنا مزاعم الجابري و أباطيله المتعلقة بدعوى معرفة النبي-عليه الصلاة و السلام- للقراءة و الكتابة، و أثبتنا تهافتها و بطلانها بالأدلة الصحيحة من القرآن الكريم، و السنة النبوية، و اللغة العربية، و أقوال الصحابة و التابعين و من جاء بعدهم.

ثانيا: زعم الجابري بضياع آيات من القرآن الكريم:

قبل أن يُفصح الباحث محمد عابد الجابري عن موقفه من هل تعرّض القرآن للتحريف بالزيادة، أو بالنقصان، أو بهما معا؟. فإنه تساءل عن ذلك أولا، ثم ذكر طائفة من الروايات التاريخية اعتمد عليها فيما ذهب إليه ثانيا. ثم ذكر موقف الشيعة و أهل السنة من ذلك الاحتمال ثالثا. ثم أفصح عن موقفه النهائي من ذلك

(1) نفس المصدر، ج 17 ص: 434، 437.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت