صيغة الجمع، مما يعني كل الكتب مطلقا، و لم يستخدم صيغة التثنية، فلو قصد بقوله التوراة و الإنجيل لاستخدم صيغة التثنية.
و مما يُبطل زعمه أيضا هو أن الشيخ ابن تيمية لم يكن يعتقد بأن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا بمعنى أنه لا يقرأ و لا يكتب التوراة و الإنجيل، كما أراد أن يُوهمنا بذلك الجابري. و إنما كان يعتقد أن رسول الله كان فعلا لا يعرف القراءة و الكتابة مطلقا، بدليل، ما نقلناه عنه سابقا، و بما سنذكره من الشواهد القاطعة الدامغة فيما يأتي:
منها إنه نص على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان (( كان أميا لا يقرأ كتابا، ولا يحفظ كتابا من الكتب لا المنزلة ولا غيرها. ولا يقرأ شيئا مكتوبا لا كتابا منزلا ولا غيره، ولا يكتب بيمينه كتابا، ولا ينسخ شيئا من كتب الناس المنزلة ولا غيرها ) ). و منها إنه قال: (( وكان أميا من قوم أميين، لا يعرف لا هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئا عن علوم الناس ولا جالس أهلها ) ) [1] . و (( كان أميا نشأ بين قوم أميين، لم يكن يقرأ كتابا، و لا يكتب بخطه شيئا ) ) [2] . و كانت أميته من (( جهة أنه لا يكتب و لا يقرأ مكتوبا ) ) [3] .
و ثالثا إن الجابري نقل كلاما متفرقا لابن تيمية في سياقات متنوعة، و ذكره في فقرة واحدة تتعلق بفكرة واحدة موضوعها تفسير قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )-البقرة: 78 - ، و من دون أن يذكر مقدمات كلام الشيخ و لا مقصوده منه، ليُوهمنا و يُغالطنا بأن معنى الأمي عند ابن تيمية لا يعني الذي لا يقرأ و لا يكتب، فقد يكون الإنسان يقرأ و يكتب و هو من الأميين. و كلام الجابري هذا سبق أن نقلناه، و الجزء الأول منه يبدأ بقول ابن تيمية: (( و الكتاب هنا المراد به الكتاب المنزل ... إلى: العلم بما في الكتاب ) ). ثم وضع الجابري ثلاثة نقاط بين قوسين إشارة إلى كلام محذوف. ثم بدأ الجزء الثاني من كلام الشيخ ابن تيمية، بقوله: (( و هؤلاء و إن كانوا يكتبون و يقرِون، فهم أميون من أهل الكتاب، كما نقول: ... إلى: كان يعرف معناه ) ).
فواضح من كلامه أن الأميين المقصودين هم طائفة من اليهود كانت تعرف القراءة و الكتابة، و مع ذلك فهم من الأميين. لكن الحقيقة حلاف ذلك، و ليس كما أراد أن يُوهمنا به الجابري. لأن كلام ابن تيمية ليس كما أراد أن يُوهمنا به الجابري، و إنما له وجهان مرتبطان بتفسير ابن تيمية لتلك الآية، و هذا لم يشر إليه الجابري. فالشيخ ذكر الوجهين ثم شرحهما بقوله: (( فهؤلاء الأميون الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني و إن هم إلا يظنون. فعن ابن عباس و قتادة في قوله •(و منهم أميون ) )أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا و قراءة بلا فهم، و لا يدرون ما فيه. و قوله (( إلا أماني ) )أي تلاوة، فهم لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم قاله الكسائي و الزجاج. و كذلك قال
(1) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، الطبعة الأولى، دار العاصمة - الرياض، 1414 ج 5 ص: 338، 438.
(2) ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد - الرياض، 1415 ج 1 ص: 191.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 25 ص: 172.