الصفحة 37 من 157

كذلك: هو أمي ساذج، و عامي، و إن كان يحفظ القرآن و يقرأ المكتوب إذا كان يعرف معناه )) [1]

و أقول: إن الجابري لم يكن أمينا فيما نقله عن الشيخ ابن تيمية، فقد مارس التحريف و التغليط و التدليس، في ذكره لموقف ابن تيمية و توجيهه ليُدعم به رأيه في مصدر كلمة أمي و معناها، و بيان ذلك فيما يأتي:

أولا إن ترجيح ابن تيمية للرأي القائل بأن مصدر كلمة أمي، هو الأمة و ليس الأم، فهو ترجيح يتعلق بمصدر كلمة أمي، و لا يعلق بمعناها على ما أراد أن يُوهمنا به الجابري من أن قول الشيخ بذلك يعني أنه يقول برأي الجابري الذي يعني أن معنى أمي و أميين، يعني الأمة و الأمم التي ليس لها كتاب مُنزل فقط. فهذا رأي لا يصح، لأن الجابري نسي أو تناسى، أن هؤلاء سموا أميين لأنهم لا يعرفون الكتاب الإلهي و لا يقرؤونه و لا يكتبونه، فهذا هو سبب تسميتهم بذلك. لذا أطلق الله تعالى على جماعة من أهل الكتاب أنفسهم بأنهم أميون، لأنه لا علم لهم بالكتاب قراءة و كتابة و فهما.

و الشيخ ابن تيمية - مع قوله بذلك- فإنه نصّ صراحة على أن معنى أمي ليس كما زعم الجابري الذي أراد أن يُوجه كلام الشيخ إلى ما يريده هو. فقد نص على أن معنى أمي واسع، يشمل عدم معرفة القراءة و الكتابة، و افتقاد الكتاب الإلهي، و عدم قراءته أيضا. فقال: (( و يُقال الأمي لمن لا يقرأ، و لا يكتب. ثم يُقال لمن ليس لهم كتاب مُنزل من الله يقرؤونه، و إن كان قد يكتب و يقرأ ما لم يُنزّل. و بهذا المعنى كان العرب كلهم أميين ... ) ) [2] .

و ثانيا إن الجابري -عندما نقل تفسير ابن تيمية لتلك الآية- و فسّره بأنه الذي لا يقرأ و لا يكتب ما في الكتب )) تدخل الجابري و فسّر عبارة (( ما في الكتب ) )بقوله: (يعني التوراة و الإنجيل ) ) وضع ذلك بين قوسين داخل كلام ابن تيمية، ثم و اصل نقل كلامه. فعمله هذا هو تصرف غير علمي في توجيه كلام الشيخ ليُؤيد به الجابري رأيه. كما أن الذي لا ينتبه للزيادة الموضوعة بين قوسين، يعتقد أنها جزء من كلام ابن تيمية، و الحقيقة ليست كذلك. فالجابري قد مارس نوعا من التحريف و التدليس ما أدى إلى تغيير المعنى. فكلام الشيخ هو: (( ... لأنه لا يكتب و لا يقرأ ما في الكتب، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ أحسن حفظ ) ). فهذا كلام عام يشمل عدم القراءة من كل الكتب، و لا يخص كتابا و لا كتابين و لا كتبا معينة بذاتها. و قد حد ها الجابري بكتابين هما: التوراة و الإنجيل، مع أن كلام ابن تيمية واضح لا يُوجد فيه أي تحديد (( لا يقرأ ما في الكتب ) )، فلا توجد فيه أية قرينة تدل على أن صاحبه أراد كتبا معينة بذاتها. و الشيخ استخدم

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 97،98.

(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 17 ص: 435.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت