هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ )) - البقرة: 78 - ،و (( قالوا ليس لنا في الأميين سبيلا ) ). و (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) )-الأعراف: 157 - . الآية الأولى تخص جماعة من اليهود لا تعرف قراءة التوراة و لا كتابتها. و الثانية تخص كل الأمم غير الكتابية كأمة العرب و الفرس. و الثالثة تخص النبي-عليه الصلاة و السلام- الذي جمع بين أميتين: الأولى أنه كان لا يعرف القراءة و الكتابة، و الثانية أنه كان ينتمي إلى أمة أمية من جهتين: الأولى أنه ينتمي إلى أمة تغلب عليها الأمية، و الثانية أنه ينتمي إلى أمة ليس عندها كتاب منزل، و من ثم فهي لا تقرأ كتابا منزلا و لا تكتبه.
و عليه فإنه لا يُوجد أي تناقض بين التفسير الخاص الذي فسّر به الفراء قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) )-الجمعة: 2 - ،و بين التفسير العام الذي ذكرناه، فهو جزء منه. كما أنه لا يتناقض مع التفسير الذي قال به الزجاج الذي حدد المعنى الشامل لكلمتي أمي و أميين، بمعنى عدم معرفة القراءة و الكتابة. و تعريفه هذا ليس من إبداعه، بل هو تعريف معروف و أصيل، مصدره القرآن الكريم، و الحديث النبوي، و لغة العرب كما كانت زمن الصحابة و التابعين قبل يُولد الفراء [1] .
و حتى إذا افترضنا أن الفراء قال: إن معنى كلمتي أمي، و أميين يعني العرب غير الكتابين فقط، و لا يحمل مطلقا معنى عدم معرفة القراء و الكتابة. فهو قول غير صحيح، و باطل مردود على قائله. لأنه سبق أن بينا بالأدلة القاطعة و الدامغة بأن معنى ذلك هو الأمي الذي لا يعرف القراءة و الكتابة، و أثبتنا ذلك بالقرآن الكريم، و السنة النبوية، و أقوال الصحابة و التابعين و تابعيهم. و عليه فإن هذا القول المُفترض لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقدم على النصوص الشرعية، و أقوال العلماء الأوائل من الصحابة و التابعين و تابعيهم.
و أما استدلاله بقول الشيخ تقي الدين بن تيمية، فإنه ذكر أن ابن تيمية أخذ برأي الفراء في نسبة عبارة أمي إلى الأمة، لا إلى الأم، و بالتالي إلى الأمم التي ليس لها كتاب مُنزل. فذكر أن ابن تيمية قال: (( و الصواب أنه نسبة إلى الأمة، كما يُقال: عامي نسبة إلى العامة، التي لم تتميز بما تمتاز به الخاصة ) ). و قال في معنى قوله تعالى: (( فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) )-الأعراف: 158 -: هو أمي (( بهذا الاعتبار لأنه لا يكتب و لا يقرأ ما في الكتب(يعني التوراة و النجيل) [2] لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ )). ثم نقل قول ابن تيمية في معنى قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )-البقرة: 78 - ، فقال الجابري: (( و يشرح ابن تيمية المقصود بالكتاب هنا فيقول: و الكتاب هنا المراد به الكتاب المنزل. و هو التوراة، ليس المراد به الخط، فإنه قال: (( و إن هم إلا يظنون ) )، فهذا يدل على أنه نفى عنهم العلم بمعاني الكتاب ( ... ) و هؤلاء و إن كانوا يكتبون و يقرؤون فهم أميون من أهل الكتاب، كما نقول نحن لمن كان
(1) أثبتنا ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث. .
(2) ما بين القوسين زيادة من الجابري.