الصفحة 35 من 157

و رابعا إن ذلك التفسير -المنسوب إلى ابن عباس- هو تفسير غير صحيح لمعنى أميين، و لا يصدق على العرب، و لا على اليهود. و قد انتقده الطبري عندما قال: (( و هذا التأويل على خلاف ما يُعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. و ذلك أن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب [1] ,

و أما لماذا لا يصدق على العرب؟، فسبب ذلك هو أن ذلك القول- المنسوب إلى ابن عباس - وصف الأميين المذكورين فيه، بأنهم لم يُصدّقوا رسولا أرسله الله، و لا رسولا أرسله الله، و لا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم ... . و العرب المشركون الذين خاطبهم القرآن، ما جاءهم رسول قبل محمد- عليه الصلاة و السلام-، و لا جاءهم كتاب منزل قبل القرآن.،و لا كتبوا كتابهم بأيديهم و قالوا هو من عند الله. و هذه حقائق ثابتة لا شك فيها. و أما لماذا لا يصدق على اليهود أيضا؟، فالسبب هو أن اليهود أمنوا برسل أرسلهم الله إليهم، و بكتبهم التي جاؤوا بها، و لم يجحدوا كل كتب الله و رسله. و نحن ننزه حَبر الأمة-أي ابن عباس- من أن يقول هذا الكلام الباطل شرعا و تاريخا، فهو كلام لا يقوله إلا جاهل، و لا يقوله عالم يعي ما يقول.

فالجابري أغفل أقوال ابن عباس الصحيحة التي تخالف ما ذهب إليه، و تمسك بقول باطل متنا و إسنادا، و التي ترده أيضا أقوال ابن عباس الأخرى التي ذكرنا طرفا منها.

و أما قول الفراء، فإن الجابري أخذ به، و رجّحه على رأي الزجاج، و مفاده هو أن المقصود بالأميين هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. و رأيه هذا-عند الجابري- أحق بأن يُتبع من رأي الزجاج. لأن الفراء أسبق زمنيا من رأي الزجاج الذي اقترح أن معنى الأمي هو الذي لا يقرأ، و لا يكتب، و مصدره من كلمة أُم [2] .

و أقول: إن الجابري لم يُوثق ما نقله عن الزجاج و لا عن الفراء، و كان عليه أن يُوثق ذلك، لكي تسهل العودة إليه، و نتأكد مما نقله عنهما الجابري، و من حق القارئ عليه أن يُوثق كل ما ينقله في كتابه.

وأما ما نقله عن الفراء، فإنه-أي الفراء- لم يكن في صدد تحديد المصدر و المعنى الدقيق و الشامل لكلمتي أمي و أميين من الناحية اللغوية، و الشرعية، و إنما كان في صدد تفسير قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ ) )-الجمعة: 2 - ، فقال: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب )) [3] . بمعنى أنهم الأميون من العرب الذين لم يكن لهم كتاب يقرؤونه و لا يكتبونه، و هذا تفسير صحيح. و هو جزء من المعنى الشامل لكلمتي أمي و أميين، و هذا سبق أن ناقشناه و بيناه و وثقناه في المطلب الأول من هذا المبحث، و بينا خطأ الجابري فيما ذهب إليه، فلا نعيده هنا.

لذا فإن تفسر الفراء- السابق الذكر- هو تفسير خاص بتلك الآية و ما يُشبهها، و لا يصلح لتفسير- مثلا- قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ

(1) تفسير الطبري، ج 1 ص: 416.

(2) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 95، 97.

(3) الراغب الأصفهاني: مفردات القرآن، ص: 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت