الصفحة 34 من 157

(د) استدلال الجابري بأقوال أهل العلم:

استدل الجابري بٌأقوال بعض كبار أهل العلم في معنى أمي و أميين، محاولة منه لتوظيف مواقفهم و توجيهها لتأييد زعمه بأن معنى أمي ليس هو الذي لا يعرف القراءة و الكتابة، و إنما هو لفظ أطلق على أمة العرب التي ليس لها كتاب منزل. فهل وُفق فيما ذهب إليه؟.

إنه استدل بثلاثة أقوال، أولها للصحابي عبد الله بن عباس، و ثانيها للنحوي أبي زكريا الفراء (ت 207 هجرية) ،و ثالثها لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هجرية) . فأما الأول فيتعلق بتفسير قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )-البقرة: 78 - ،و قد ذكر الجابري أن ابن عباس-رضي الله عنه- قال في معنى ذلك: (( الأميون قوم لم يُصدقوا رسولا أرسله الله، و لا كتاب أ، زله الله، و فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سفلة: هذا من عند الله. و قد قال القرآن: إنهم يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله و رسله ) ) [1] .و يرى الجابري أن الأمين الذين ذكرتهم الآية هم جماعة من العرب اعتنقوا اليهودية، و لا علم لهم بالتوراة، و إنما يختلقون كلاما و يقولون إنه من التوراة. و بما ان معنى الأمي عند الجابري ليس الذي لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و إنما هم العرب الذين ليس لهم كتاب مُنزل، فإنه رجّح ما قاله ابن عباس في معنى أميين المذكورين في الآية، مخالفا بذلك ما قاله جميع المفسرين تقريبا في أن الآية تتعلق بطائفة من اليهود تجهل القراءة و الكتابة [2] .

و رأيه هذا -الذي انتصر له- لا يصح، لأنه أولا سبق أن بينا أن التفسير الصحيح لتلك الآية ليس هو كما ذهب إليه الجابري، و إنما هو خلافه، و قد أثبتنا ذلك بالأدلة القاطعة في المطلب الأول من هذا المبحث. .

و ثانيا إن ذلك القول المنسوب لابن عباس-رضي الله عنه- هو قول لا تصح نسبته إليه، لأن إسناده ضعيف، و قد قال الحافظ ابن كثير: إن إسناد رواية ابن عباس فيه نظر [3] . و من رجاله بشر بن عمارة، و الضحاك بن مزاحم [4] ، الأول ضعيف، و الثاني كان كثير الإرسال، و لم يسمع من ابن عباس [5] .

و ثالثا إن لابن عباس أقوالا أخرى في معنى أمي، و أميين، تخالف ما ذكرته عنه تلك الرواية الضعيفة المنسوبة إليه. فمن ذلك إنه فسّر معنى الأميين في قوله تعالى: (( وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ) )-آل عمران: 20 - بأنهم الذين لا يكتبون. و فسّر قوله تعالى: (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - من قلبه من كتاب ... )) ، بقوله: (( كان نبيكم أميا لا يقرأ و لا يكتب و لا يحسب ) ) [6] .

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن ص: هامش ص: 81.

(2) نفسه، ص: 81.

(3) تفسير ابن كثير، ج 1 ص: 165.

(4) الطبري: تفسير الطبري، ج 1 ص: 416، 421.

(5) ابن حجر: التقريب، ج 1 ص:. و تهذيب التهذيب، الطبعة الأولى، دار الفكر - بيروت، 1404 - 1984 ج 4 ص: 398. و العجاب في بيان الأسباب، ط 1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1997، ج 1 ص: 271.

(6) الطبري: المصدر السابق، ج 3 ص: 214. و القرطبي: تفسير القرطبي، ج 7 ص: 262، و ما بعدها. و السيوطي: الدر المنثور، ج 4 ص: 296. و الشوكاني: فتح القدير، ج 1 ص: 492.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت