معرفة القراءة و الكتابة، الذي هو معنى مُستحدث اقترحه الزجاج. و هذا زعم باطل سبق تبيان بطلانه.
و الشواهد الآتية تزيد ما ذكرناه تأكيدا و إثراء، و دحضا لما زعمه الجابري، أولها يتعلق بمعنى أمي و مصدره عند المفسر ابن جرير الطبري (ت 310 هجرية) ، إنه يرى أن الأميين هم الذين لا يكتبون و لا يقرؤون. و قيل للأمي بأنه أُمي نسبة إلى أمه، لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء، فنُسب من لا يكتب و لا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة دون أبيه [1] .
و الشاهد الثاني هو قول للغوي أبي إسحاق الزجاج (ت 310 هجرية) ، فالأمي عنده هو الذي لم يتعلم الكتابة، و المنسوب (( إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه، أي لا يَكتُبُ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ، فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه، أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه ) ) [2] .
و الشاهد الثالث- و هو الأخير- هو قول للأديب محمد بن قتيبة (ت 276 هجرية) ، و الأمي عنده هو الذي لا يكتب، و قيل له: أُمي، لأنه (( نُسب إلى أمة العرب، أي جماعتها، و لم يكن من يكتب من العرب إلا القليل، و فنُسب من لا يكتب إلى الأمة، فقيل: أُمي، كما نقول: رجل عامي، ننسبه إلى عامة الناس. ثم لزِم هذا الاسم كل من لا يكتب، فقيل: العرب أميون ) ) [3] .
فواضح من هذه الشواهد أن هؤلاء الأعلام لم يختلفوا في معنى أمي، و لا في أصل الكلمة، فمعناها عندهم واحد، و هو الذي لا يقرأ و لا يكتب، و أصلها عربي، و لم يكن محل خلاف بينهم. و إنما اختلفوا في مصدرها اللغوي كما سبق أن بيناه. و حتى ابن قتيبة الذي جعل مصدرها من الأمة، - و هو الرأي الذي قال به الجابري أيضا- فإنه لم يُخالف هؤلاء في معناها و أصلها العربي، لكنه لا يتفق مع رأي الجابري، مع اتفاقهما على أن مصدرها من كلمة الأمة.
و خامسا إن زعم الجابري بأن لفظ أمي هو مصطلح خاص بالقرآن، و ليس عربي الأصل، هو زعم لا يصح بدليل الشواهد الثلاثة الآتية: أولها هو أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، لقوله تعالى: (( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) )-الشعراء:193 - 195 - . و من ثم فإن لفظ أمي هو لفظ عربي أصيل استخداما و اشتقاقا.
و الثاني يتمثل في مخاطبة القرآن الكريم للعرب بأنهم أميون، كقوله تعالى: (( . هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) )-الجمعة: 2 - و هذا دليل دامغ على أن على أنهم يفهمون معنى هذا اللفظ، و إلا ما خاطبهم به الله سبحانه و تعالى.
و أما الشاهد الأخير- و هو الثالث-، فيتمثل في أنه سبق أن بينا أن أهل اللغة العربية اختلفوا في مصدر كلمة أمي، و هل هي من أُم، أو من أمة؟، و لم يختلفوا في أصلها العربي و لا في معناها.
(1) الطبري: تفسير الطبري، ج 1 ص: 416 و ما بعدها.
(2) ابن منظور: لسان العرب، ج 12 ص: 22.
(3) ابن قتيبة: غريب الحديث، ص: 384.