الصفحة 32 من 157

و ثالثا إنه ليس صحيحا بأن اللغوي أبا إسحاق الزجاج (ت 310 هو الذي اقترح معنى عبارة أمي، ليصبح بذلك أن الأمي هو الذي لا يقرأ و لا يكتب، كما زعم الجابري. فهذا المعنى ليس اقتراحا من الزجاج و لا اجتهادا من علماء اللغة العربية، و إنما هو معنى أصيل في اللغة العربية قبل أن تُجمع اللغة العربية، و قبل أن يُولد الزجاج. و ذلك أنه سبق أن اثبتنا بالأدلة الصحيحة و القطعية أن معنى أمي في الشرع و اللغة هو الذي لا يعرف القراءة و الكتابة، و قد ذكرنا على ذلك الشواهد الكثيرة و المتنوعة من القرآن و الحديث، و من أقوال علماء القرن الأول الهجري، كالصحابة و التابعين. ثم من أقوال علماء الفقه و الأدب، و اللغة و التفسير الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري و ما بعده، من الذين عاشوا قبل الزجاج، و الذين عاصروه. و من يريد تفصيل ذلك فليرجع إلى المطلب الأول الذي رددنا فيه على الجابري في استدلاله على زعمه بالقرآن.

و رابعا إن زعم الجابري بأن أصل كلمة أمي ليس عربيا، و إنما هو مُعرّب، هو مجرد دعوى لم يذكر عليها دليلا صحيحا و لا ضعيفا يُؤيد به ما ذهب إليه. و الدعوى لا يعجز عنها أحد، ففي مقدور أي إنسان أن يدعي ما يشاء خدمة لأهدافه و مصالحه و أهوائه و ظنونه؛ لكن ليس في مقدور أي إنسان أن يأتي بالدليل الصحيح على ما يدعيه. لذا فإن زعم الجابري لا يصح، لأن علماء اللغة الذين اختلفوا في أصل كلمة أمي، و أميين، لم يختلفوا في معناها، و لا في هل هي عربية الأصل أم لا؟. فهم قد اتفقوا على معناها، و على أنها عربية، لكنهم اختلفوا في مصدرها اللغوي، فهل هو مأخوذ من كلمة أُم، أو أُمة [1] ؟. و في الحالتين فإن العبارة عربية الأصل، و هذا أمر واضح بيّن لا لًبس فيه، لأن كلمة أُم، و أُمة، عما كلمتان عربيتان مذكورتان في القرآن الكريم و الحديث النبوي، و هذا أمر لا يحتاج إلى توثيق.

و أُؤكد هنا على أن اللغويين لم يختلفوا في معنى أمي و أميين، فهم في ذلك موافقون للقرآن الكريم و السنة النبوية، و أقوال السلف الأول من الصحابة و التابعين و من جاء بعدهم، من أن معنى أمي على إطلاقه هو الذي لا يقرأ و لا يكتب، و قد يضيق معناه عندما يُقصد به ما يُريده اليهود عندما يُطلقونه على غيرهم من الأمم، و هذا سبق أن بيناه و وثّقناه، فيم تقدم ذكره.

و الجابري يُريد أن يُوهمنا بأن اختلاف أهل العلم في مصدر كلمة أمي، و أميي، يتعلق بأصلها هي هل عربية أم لا؟. و هذا تغليط مكشوف، لأن الاختلاف كان في المصدر اللغوي، أهو أُم، أو أُمة، و لم يكن في الأصل، أهي عربية أو أعجمية.

و أراد أن يُوهمنا أيضا أن اختلاف هؤلاء حول تلك الكلمة لا يتعلق بأصلها فقط، و إنما يتعلق أيضا بمعناها الذي زعم الجابري أنه لم يكن يعني في الأصل عدم

(1) سيأتي توثيق ذلك قريبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت