تشر إلى ذلك مطلقا. فلما سمع بذلك رسول الله قال: (( من سأل و عنده ما يُغنيه، فإنه يستكثر من نار جهنم ) ) [1] .
و بذلك يتبين أن الرواية التي ذكرها الجابري لا تصح، و هو قد نقلها عن القرطبي، فلو رجع إلى مصادر الحديث المعتبرة لوجد الحديث الصحيح في مُسند أحمد، و سنن أبي داود، الذي لا تُوجد فيه تلك الزيادات الباطلة المقحمة في الحديث.
(ج) استدلال الجابري باللغة العربية:
استدل الجابري باللغة العربية لتأييد زعمه بأن رسول الله كان يعرف القراءة و الكتابة، فتمثّل ذلك في أنه أدعى أن لفظ أمي، و ما اشتق منه كأمية، و أميين هو لفظ مُعرّب لا أصل له في اللغة العربية. و زعم أيضا أن هذا اللفظ هو مصطلح قرآني خاص، كالمصطلحات القرآنية الأخرى التي ليس لها أصل في اللغة العربية. و قال إن المعاجم العربية لم تذكر شاهدا من الشعر أو النثر العربي قبل الإسلام ورد فيه لفظ أمي، بمعنى عدم المعرفة بالقراءة و الكتابة. لكن كل ما فعلته تلك المعاجم أنها حاولت أن تجد للفظ أمي صلة بلفظ الأم. و كان اللغوي الزجاج (ت 310 هجرية) قد اقترح أن يكون لفظ الأمي نسبة إلى الأم، ثم أوّله بأن الأمي هو الذي تلده أمه لا يقرأ و لا يكتب. و عنه أخذه آخرون، كابن منظور الإفريقي صاحب لسان العرب، مما أعطى لاقتراحه صدقية. فأصبح الأمي من لا يعرف القراءة و الكتابة. ثم قرر أن هذا المعنى لعبارة أمي هو اجتهاد من علماء اللغة في أيجاد أصل كلمة أمي في لغة العرب [2] .
و قوله هذا لا يصح، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا إذا سلّمنا أنه لم يرد عن العرب قبل الإسلام شاهد لغوي يدل على أن معنى أمي و أميين هو الذي لا يعرف القراءة و الكتابة، فهذا ليس دليلا على ان العرب لم يعرفوا ذلك المعنى. لأن ما وصلنا من تراث العرب العري و النثري قبل الإسلام هو قليل بالمقارنة إلى إنتاجهم في الشعر و النثر طيلة العصر الجاهلي الطويل. فعدم العثور-على فرض ذلك- على شاهد شعري أو نثري يدل على أن معنى أمي عند عرب الجاهلية هو الذي لا يقرأ و لا يكتب، ليس دليلا صحيحا و لا قطعيا على عدم وجود هذا المعنى عندهم. فعدم عثورنا على ذلك لا يدل على انه غير موجود.
و ثانيا إن المعاجم العربية ليس واجبا عليها بأن تورد شاهدا لغويا عن عرب الجاهلية، كلما أرادت تحديد معنى لغوي لكلمة من الكلمات. و إنما يكفيها أن تورد الشواهد من القرآن، و السنة النبوية، و أقوال الصحابة و التابعين، و أقوال أعراب البادية، و علماء القرنين الأول و الثاني. و القرآن الكريم هو المصدر الأول و الأساسي للغة العربية، و الذي لا يُضارعه أي مصدر من مصادر اللغة العربة، و قد أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين، على عرب أقحاح. فهو أساس اللغة العربية و ليس الشعر و لا النثر العربيين قبل الإسلام.
(1) أحمد بن حنبل: المسند، ج 4 ص: 180. و الألباني: صحيح أبي داود، ج 1 ص: 306.
(2) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 82، 83، 94، 95.