،و الضعيفة -إلى جانب الصحيحة- فهذا التاريخ فيه جانب كبير لعبت به الأهواء و العصبيات، لتحقيق أغراض دينية، و مذهبية، و سياسية، و عرقية [1] .
و بما أن الوضع كذلك، فلا يصح أبدا الاعتماد على كتب التراث الإسلامي من دون معرفة مؤلفيها جرحا و تعديلا من جهة، و تحقيق متونها و أسانيدها من جهة أخرى. و هذا العمل لم يقم به الجابري أصلا، و وجدناه يعتمد على الروايات الضعيفة و الموضوعة و الصحيحة على حد سواء.
فمن ذلك أنه ذكر ثلاثة أحاديث لتأييد ما ذهب إليه، و سكت عن درجتها من حيث الصحة و الضعف و البطلان، أولها حديث الشعبي الذي يقول: (( ما مات النبي-صلى الله عليه و سلم- حتى كتب ) ). و هذا حديث ضعيف مُنكر، بل موضوع في إسناده جماعة من الضعفاء و المجهولين [2] .
و الثاني هو حديث (( ألق الدواة، و حرّف القلم ... ) )، و هذا حديث غير صحيح، فلم أعثر له على أي أثر في المؤلفات الحديثية المعروفة، كالصحاح، و السنن ن و المسانيد، و المعاجم، و الموطآت. و قد ضعّفه الفقيه ابن عطية، و ذكر الحافظ ابن حجر أن الجمهور ضعّفوا هذا الحديث [3] .
و أما الثالث فهو حديث صحيفة عيينة بن حصن الذي ذكر أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قرأ الصحيفة و فهمها، و أخبر ما فيها. و هذا الحديث هو أيضا لا يصح، أولا مخالف للقرآن الذي نص صراحة على أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب. و إذا قيل أنه تعلّم بعض القراءة بعد النبوة، فهذا لا يصح أيضا لأنه مخالف للقرآن و نقض له، الذي وصف النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنه النبي الأمي بصيغة التعريف، فإذا قيل بعد ذلك أنه تعلّم القراءة و الكتابة تعلما كاملا، أو ناقصا، أو شبه ناقص، فهو نقض للقرآن، لأن النبي في هذه الحالة لا يصبح هو النبي الأمي، و لا ينطبق عليه وصف القرآن له بذلك. لذا فإن أية رواية تزعم أن رسول الله كان يعرف القراءة و الكتابة، أو انه تعلّم ذلك بعد النبوة، فهي رواية باطلة بالضرورة. هذا فضلا على أنه لا توجد رواية حديثية و لا تاريخية صحيحة تُثبت أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يعرف القراءة و الكتابة.
و ثانيا إن الحافظ ابن حجر العسقلاني ذكر أن هذا الحديث لا يصح، و قد قال الجمهور بضعفه [4] .
و ثالثا إن ذلك الحديث لا يصح أيضا لأن حديث صحيفة عيينة بن حصن صح من طريق صحيح، و لا يُوجد فيه أن رسول الله أخذ الصحيفة فنظر فيها و قرأها و فهمها. و الصحيح هو أن النبي- عليه الصلاة و السلام- عندما أمر معاوية بأن يكتب لعيينة ما طلب، أراد عيينة التأكد من هل كتب له ما أراد أم لا؟، فعاد إليه مرة أخرى و اتصل بمعاوية، الذي هو بدوره اتصل برسول الله و أخبره بالأمر. و لم تذكر الرواية أنه أخذ منه الصحيفة، ولا قرأها، فالرواية لم
(1) أنظر مثلا: خالد كبير علال: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه، ط 1، دار البلاغ، الجزائر، 2005.
(2) البيهقي: سنن البيهقي الكبرى، ج 7 ص: 42. و الهيثمي: مجمع الزوائد، دار الفكر، بيروت - 1412 هـ ج 8 ص: 485. و الشوكاني: الفوائد المجموعة، تحقيق: عبد الرحمن يحيى المعلمي، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي - بيروت، 1407 ص: 3. الألباني: السلسلة الضعيفة، ج 1 ص: 518.
(3) القرطبي: المصدر السابق، ج 13 ص: 312. و ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 ج 7 ص: 504.
(4) ابن حجر: فتح البارئ، ج 7 ص: 504.