الصفحة 29 من 157

قاله القاضي، و أخذ منها ما يحتاجه، و وظفه -بطريقة غير علمية- لتأييد زعمه الباطل بأن النبي كان يعرف القراءة و الكتابة.

و أشير هنا إلى أن الجابري لم يكتف بعدم نقل تعليق القاضي عياض على تلك الرواية، و إنما علّق عليها بتعليقين، أولهما إنه قال: (( و يرى بعضهم في كلامه -صلى الله عليه و سلم- عن الحروف بما ذُكر، دليلا على أنه كان يعرف أشكالها ) ) [1] . و استنتاجه هذا و إن كان لا يصح -لأن الرواية لم تصح على ما ذكره القاضي عياض-، فإنه كان عليه -أي الجابري- أن يُوثق تعليقه هذا، و لا يكتف بقوله: (( و يرى بعضهم ) ). فمن هذا البعض؟، فنحن نريد معرفته. إنه لم يذكره لنا، و لا وثّق كلامه، و لا صرّح بأنه هو شخصيا صاحب هذا الرأي، و لا أورده بطريقة لا تُلزمه التوثيق كأن يقول: و قد يرى بعض الناس، أو و ربما يقول بعض أهل العلم.

و أما تعليقه الثاني فيتمثل في أنه قال: (( و شبيه بهذا ما ورد في حديث رواه البخاري جاء فيه أن النبي-عليه الصلاة و السلام - قال: الدجال ممسوخ العين، مكتوب بين عينيه كافر، ثم تهجّاها: ك ف ر، يقرؤه كل مسلم ) ) [2] . و هذا الحديث ذكره الجابري ليُدعم زعمه بأن النبي كان يعرف القراءة و الكتابة، و قد نقله من صحيح البخاري مباشرة، تعليقا على ما نقله عن القرطبي فيما ذكره عن القاضي عياض، و لم يُشر إلى أن القرطبي هو أيضا نقل هذا الحديث في نفس الموضع السابق، رد به على الذين يحتجون به. فالجابري تجنب الأمر كلية، فعندما وجد الحديث عند القرطبي، تجاوزه و رجع إلى البخاري مباشرة و أخذ منه الحديث، و أغفل ما قاله القرطبي في شرحه للحديث شرحا صحيحا. فالجابري لم يُعجبه ما قاله القرطبي فتجاوزه، و وظّف الحديث على طريقته. و أما نص كلام القرطبي فيتمثل في قوله: (( فإن قيل: فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال:(مكتوب بين عينيه ك ا ف ر) وقلتم إنا المعجزة قائمة في كونه أميا قال الله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} الآية وقال: (إنا امة أمية لانكتب ولا نحسب) فكيف هذا؟ فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا ففي حديث حذيفة: [يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب] فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا وهذا من أوضح ما يكون جليا )) [3] .

و رابعا إن الجابري كما أنه لم يكن أمينا في نقله لكلام القرطبي، ف، ه أيضا لم يُحاول تمييز صحيح تلك الروايات من سقيمها، فاعتمد عليها مباشرة من دون أي تحقيق لها، و هذا عمل غير علمي، لأن تاريخنا العلمي، و السياسي، و الاجتماعي المتعلق بالقرون الثلاثة، هو تاريخ مملوء بالروايات التاريخية و الحديثية المكذوبة

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 86.

(2) نفسه، ص: 86.

(3) القرطبي: المصدر السابق، ج 13 ص: 312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت