و أقول: إن الجابري لم يكن أمينا في نقله لكلام القرطبي في تفسيره، و ذلك أنه مارس نوعا من التحريف، و التدليس، و التغليط، و وجهه لتأييد زعمه بأن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يعرف القراءة و الكتابة. و من ذلك أن الجابري نقل حديثا عن القرطبي عن أبي كبشة السلولي، مفاده أن رسول الله قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، و أوجز معناها، و لم يذكر تعليق القرطبي على ذلك. فالجابري ذكر كلاما مقصوصا من سياق كلام القرطبي، و تمامه (( قال ابن عطية: و هذا كله ضعيف ) ) [1] . فالجابري قص قول القرطبي، فأخذ منه ما يُؤيد زعمه، و ترك ما يُخالفه و يُبطله. و عمله هذا ليس من الموضوعية، و لا من الحيدة العلمية في شيء.
و ثانيا إنه نقل عن القرطبي أنه قال: قال علماؤنا- رضي الله عنهم- و ظاهر هذا أنه صلى الله عليه و سلم- محا تلك الكلمة التي هي: رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بيده و كتب مكانها: ابن عبد الله ... )) . و يُفهم من كلامه أنه-أي القرطبي- موافق لما نقله عن هؤلاء العلماء، و أنه يقول برأيهم و لا يُخالفهم، لأن الجابري أورد ذلك بطريقة تُشير إلى أنه يقول بذلك. و هذا غير صحيح، لأن القرطبي عندما ذكر ما قاله هؤلاء العلماء لم يكن موافقا لهم، مع انه قال: (( قال علماؤنا ) )، ثم أورد بعد ذلك رأيا آخر لطائفة من العلماء خالفوا به ما قاله الأولون، و نصوا على أن رسول الله لم يكن يقرأ و لا يكتب [2] . فهو هنا كان في صدد عرض أراء أهل العلم، و لم يكن مؤيدا للرأي الأول، و الجابري أراد أن يُوهمنا بذلك.
ثم بعد ذلك ذكر القرطبي رأيه بصراحة، عندما قال: إن الصحيح هو أن النبي -عليه الصلاة و السلام- (( ما كتب ولا حرفا واحدا وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى ) ) [3] . فواضح من كلامه أنه لم يقل برأي القائلين بمعرفة رسول الله للقراءة و الكتابة. و هذا خلاف ما يُفهم من ما نقله الجابري من كلام القرطبي. فالجابري لم يكن علميا و لا موضوعيا فيما نقله عن القرطبي، و كان عليه أن يتحرى في النقل، و يوسع مجال بحثه لمعرفة موقف الرجل الحقيقي من الموضوع.
و ثانيا إن الجابري نقل عن القرطبي ما رواه القاضي عياض من أن معاوية كان يكتب بين يدي النبي-عليه الصلاة و السلام- فقال له: (( ألق الدواة، و ... ) ). نقل الجابري ذلك بطريقة توحي بأن القرطبي و القاضي عياض يقولان بما ورد في الحديث. و هذا لا يصح عنهما، لأنه -أي الجابري- بتر الكلام المنقول و لم يُكمله. و الحقيقة هي أن القرطبي أورد قول القاضي عياض السابق، ثم أتبعه بقول آخر يقول فيه: (( و هذا و إن لم تصح الرواية -أي السابقة- أنه صلى الله عليه و سلم كتب، فلا يُبعد أن يُرزق على هذا، و يُمنع القراءة و الكتابة ) ) [4] ز فالرواية التي أوردها القاضي عياض هي ليست صحيحة عنده، لكن الجابري لم يلتفت إلى ما
(1) القرطبي: تفسير القرطبي، ج 13 ص: 312.
(2) نفس المصدر، ج 13 ص: 312.
(3) نفسه، ج 13 ص: 312.
(4) نفسه، ج 13 ص: 312.