لما اعترض ممثل قريش على بعض عبارات الصلح، قال رسول الله للكاتب: (( اكتب باسمك الله ) )، و قال أيضا: (( اكتب من محمد رسول الله ... ) ) [1] .
فواضح من ذلك أن المقصود من قوله: (( فكتب رسول الله ... ) )، أن النبي-عليه الصلاة و السلام- أمر الكاتب بالشروع في كتابة وثيقة الصلح، و ليس هو الذي شرع في الكتابة، لأن الثابت أن عليا هو الذي كتب وثيقة الصلح و ليس رسول الله. و لأنه أيضا أن الرواية نفسها فسّرت ذلك و أكدته، عندما ذكرت أن النبي قال للكاتب: اكتب، أكتب، فلو كان هو الكاتب ما قال ذلك.
و الشاهد الثاني يتمثل في أن رجلا من اليمن جاء إلى رسول الله و طلب منه أن يكتب له شيئا يأخذه معه، فقال له: (( اكتب لي يا رسول الله ... ) )، فقال النبي-عليه الصلاة و السلام-: (( اكتبوا لأبي فلان ) ) [2] .
و بذلك يتبين جليا أنه عندما يُروى أن النبي-صلى الله عليه و سلم- كتب، أو طُلب منه أن يكتب، فليس معنى ذلك أنه كان يعرف الكتابة و القراءة، و إنما المقصود بذلك أنه يأمر كُتابه بأن يكتبوا ما طلب منهم.
و أما لماذا لم يستغرب الصحابة من قول رسول الله: (( هلموا اكتب لكم كتابا ... ) )، و لا من قول أحدهم: (( قرّبوا يكتب لكم كتابا ) )، فهم لم يستغربوا لأنهم كانوا يعلمون أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و أن المقصود من ذلك، أنه يأمر من يكتب له ذلك. و ليس المقصود من ذلك ما زعمه الجابري.
و أما استدلاله السابع فيتمثل في أن استدل بطائفة من الروايات الحديثية نقلها عن المفسر القرطبي، فقال الجابري: (( و قد علّق القرطبي في تفسيره على ذلك -أي وثيقة الصلح- بقوله: قال علماؤنا -رضي الله عنهم-: و ظاهر هذا أنه صلى الله عليه و سلم محا تلك الكلمة التي هي: رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بيده و كتب مكانها: ابن عبد الله ) ). و أضاف القرطبي: (( ذكر النقاش عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي- صلى الله عليه و سلم- حتى كتب ) ). و أشار القرطبي أيضا إلى حديث أبي كشة السلولي، و مضمونه أن رسول الله قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، و أخبر بمعناها. و أضاف القرطبي: (( و نقل عن القاضي عياض أن معاوية كان يكتب بين يدي النبي - صلى الله عليه و سلم- فقال له النبي: (( ألق الدواة و حرّف القلم، و أقم الباء، و فرّق السين، و لا تُعّور الميم، و حسّن الله، و مدّ الرحمن، و جوّد الحيم ) ). ثم ذكر الجابري أنه (( يرى بعضهم في كلامه- صلى الله عليه و سلم- عن الحروف، بما ذكر، دليلا على أن كان يعرف أشكالها. و شبيه بهذا ما ورد في حديث رواه البخاري جاء فيه أن النبي قال: (( الدجال ممسوخ العين، مكتوب بين عينيه كافر، ثم تهجاها (( كف ر، يقرؤه كل مسلم ) ) [3] .
(1) الحاكم: المستدرك، ج 2 ص: 165.
(2) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 53.
(3) الجابري: المرجع السابق، ص: 86.